معرض

د.آلان كيكاني : الجذور التاريخية للصراع السني – الشيعي وانعكاسه المحتمل على الكرد


 

د.آلان كيكاني

د.آلان كيكاني

 

بوفاة نبي الإسلام محمد ( ص ) انقسم المسلمون على أنفسهم إلى طائفتين إحداهما تدعم أبا بكرٍ لخلافة رسول الله والأخرى تدعي بأحقية عليّ بن أبي طالب بالخلافة، وكان محمدٌ قد تنبأ بانقسام ملته قبل وفاته بوقت طويل أسوة بالأمم التي سبقته حيث قال : ” انقسمت أمة موسى إلى إحدى وسبعين طائفة وأمة عيسى إلى اثنتين وسبعين وستنقسم أمتي إلى ثلاث وسبعين ” . وقد استندت الطائفة الأولى على ملازمة أبي بكر اللصيقة لمحمد في أيام شدته وضيقه، وقربه منه منذ الأيام الأولى التي أشهر فيها رسالته، ومرافقته له مهاجراً من مكة إلى المدينة هرباً من ظلم ذويه، وتزويجه ابنته عائشة، ناهيك عن طلب محمد من أبي بكر إمامة الناس والصلاة بهم عندما أقعده مرضه الذي قضى فيه. بينما رأت الطائفة الثانية أن علياً هو الأولى بخلافة محمد، فهو ختنه، وابن عمه أبي طالب الذي رباه يتيماً بعد موت جده عبدالمطلب، وهو ربيبه الذي قال فيه ” أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي ” . إلا أن علياً لم يجد بداً من الصمت والرضوخ لأمر الواقع عندما عاد من دفن محمد ووجد الناس قد أجمعوا كلمتهم على أبي بكر تحت سقيفة بني ساعدة في الوقت الذي كان هو مشغولاً فيه بحفر قبر ابن عمه، وأبي زوجته فاطمة، وجدّ ابنيه الحسن والحسين، والصلاة عليه قبل مواراته الثرى . مذّاك الوقت نشأت البذرة الأولى لشيعة علي ابن أبي طالب وأخذت تنمو وتتكاثر فيما بعد، فكثيرٌ من الناس ممن كانوا يجلُّون عليِّ ويبجّلونه ويجدون أحقيته  بالخلافة حينذاك سكتوا على مضض على ما جرى من مبايعة أبي بكر بغياب علي وهم على يقين أن الخلافة قد سلبت من عليّ ظلماً وأعطيت لأبي بكر في مؤامرة  لعب فيها عمر بن الخطاب دوراً بارزاً بغيةَ  توجيه الخلافة إلى سلالة بني أمية، فخذ أبي بكر وعمر من قريش، عوضاً عن احتكارها من قبل بني هاشم، فخذ محمد وعليّ من قريش. وقد زاد شعور أتباع علي بالسخط والغضب عند وفاة أبي بكر واستلام عمر الخلافة من بعده، وتفاقم الموقف أكثر فأكثر بعد تهميش عليّ، عمداً، للمرة الثالثة عندما توفي عمر وبويعت الخلافة  لعثمان بن عفان، الأموي هو الآخر.

وبمقتل عثمان جاءت الانتكاسة الثانية لتفريق شمل المسلمين، فقد اتهم بنو أمية شيعة عليّ بتدبير مؤامرة مقتل عثمان ورفضوا مبايعة عليّ مالم يُظهِرَ قتلةَ عثمان ويقتص منهم، شرعاً، الأمر الذي أنكره عليّ نائياً بنفسه عن أية علاقة له بمقتل عثمان وطلب من بني أمية في دمشق مبايعته وتوحيد صف المسلمين الذين امتدت دولتهم آنذاك من تخوم الهند شرقاً إلى سواحل إفريقيا الشمالية غرباً ومن بلاد تخوم أرمينيا شمالاً إلى اليمن جنوباً، إلا أن بني أمية الأقوياء أصروا على موقفهم واتخذوا من الشام معقلاً لهم ونواة لدولتهم ومنطلقاً لحملتهم الشرسة على عليّ بن أبي طالب بغية التخلص منه ليبقى الملك، بعد ذلك، حكراً على بني أمية لا ينازعهم فيه أحد، متذرعين بالثأر لعثمان، وكانت معركة صفين التي جرت بين علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان هي إحدى أكبر الكوارث التي حلت بالمسلمين آنذاك، فقد تعسكر الفريقان شهوراً واقتتلوا وتكبدوا مئات الآلاف من القتلى والجرحى في معركة شعواء أنهكت الطرفين.

أما الانتكاسة الثالثة والكبرى في تاريخ الإسلام والتي كانت بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير إلى الأبد فهي جريمة تصفية الحسين بن عليّ، سبط رسول الله، في كربلاء في يوم عاشوراء بطريقة بشعة وغاية في الوحشية تمثلت بقتل جميع أبنائه البالغين أمام عينيه أولاً، ومن ثم قتله هو وجزِّ رأسه وترك جسده طعاما لسنابك الخيل حتى عجن جسمه ودمه بالرمل، ومن ثم حملِ رأسه على ظهور الخيل وأرساله إلى الشام برفقة زوجاته وأبنائه الصغار في مشهد تراجيدي مؤلم يستغله أتباع الحسين الشيعة للنواح والبكاء واللطم وتجريح الذات حتى أيامنا هذه حتى اصطبغت معه، مع مرور الوقت، أغاني أهل العراق وأهل إيران وألحانهم وأفراحهم بالسواد والكآبة.

لم تتوقف محاولات أحفاد الحسين وأتباعه في المطالبة بما يعتبرونه إرثهم المسروق في العهدين الأموي والعباسي إلى أن وجدوه في شمال أفريقيا، بعد محاولات عديدة في العراق كان أهمها ثورة القرامطة التي أرقت الدولة العباسية حيناً من الدهر، عندما قام عبيدالله المهدي والذي ادعى نسبته إلى الحسين بن علي وهاجر من السلمية في بلاد الشام إلى تونس الحالية ليعلن منها دولته الفاطمية المنسوبة إلى فاطمة بنت رسول الله ومن ثم استولى حفيده المعز الفاطمي على مصر واتخذها مركزاً لدولته الشيعية التي امتدت من المغرب إلى بلاد الشام وشملت الحجاز ودامت أكثر من قرنين ونصف القرن واستطاعت تشييع أهل مصر وبعض بلاد الشام وتساهلت في موضوع الحملات الصليبية على بلاد المسلمين حتى خضعت أجزاء كبيرة منها، ومنها القدس، إلى نفوذ الفرنجة، وقد دامت هذه الحال  إلى أن جاء السلاجقة الأتراك السنّة وقد وضعوا نصب عيونهم على أمرين اثنين هما تحرير بيت المقدس من سيطرة الصليبيين، والقضاء على النفوذ الشيعي في مصر وبلاد الشام، وهما الهدفان اللذان حققهما صلاح الدين الأيوبي، الكردي الذي ورث الملك عن نورالدين الزنكي بعد وفاته واختلاف أمرائه فيما بينهم، بجدارة، فحرر القدس والكثير من بلاد الشام من قبضة الصليبيين وقضى على الفاطميين في مصر والحجاز وطاردهم وقتلهم وأهانهم وبعثرهم، والذين بقي منهم في مصر عزلهم عن زوجاتهم سعياً إلى القضاء على بذرتهم، والذين ظلَّوا منهم في بلاد الشام تماهوا فيما بعد بين أهل السنة ولجأوا إلى الإبطان أو اختاروا قمم الجبال ليحتموا بها عن أهل السنة، ومنهم من عملوا سراً كمعارضين للحكم السني، حتى أنهم حاولوا قتل صلاح الدين مرتين، كادوا أن يفعلوها في إحداها عندما طعنوه بجرح بليغ وقتلوا أحد أمرائه ظناً منهم أنه هو عندما كان يناصب الروم قريباً من أنطاكيا.

ويستمر التشاحن الطائفي فيما بعد بين الدولتين الصفوية الشيعية والعثمانية السنية في عمليات كر وفر في العراق وكردستان وأذربيجان لأكثر من ثلاثة قرون قبل أن تتحطم كلا الدولتين على يد الأوربيين عشية تسابقهم للسيطرة على العالم وموارده في عصر النهضة.

ويمكن القول أن الحرب العراقية الإيرانية في ثمانينات القرن الماضي التي دامت ثمان سنوات وراح ضحيتها أكثر من مليون قتيل من الطرفين تندرج في سياق الصراع الطائفي التاريخي بين السنة والشيعة حتى لو لم تكن تسمية الطائفية علنية من قبل الدولتين المتقاتلتين طوال فترة الحرب، وذلك لوجود كلا الطائفتين بأعداد كبيرة في البلدين المتحاربين، ولهذا السبب كان الصراع العراقي الإيراني يلتحف بلحاف القومية والوطنية بدلاً من إبراز حقيقته الطائفية. ولا يمكن هنا إهمال ذكر ما قام به الخميني بعيد نجاح ثورته من تصفية شركائه المقربين في الثورة ممن كانوا ينتمون إلى تيارات علمانية ويسارية وقومية ليستفرد هو بالسلطة ويضفي عليها طابعاً دينياً ذي صبغة شيعية صرفة ويغير مسارها من القضاء على استبداد الشاه وطغيانه إلى شحذ همم الشيعة في كل مكان في العالم وتوجيهها باتجاه الحرب الطائفية، الحرب التي بدأت منذ اربعة عشر قرنا ولم تنته بعد، حرب الانتقام للحسين، وفي نفس الرجل إقامة إمبراطورية إيرانية شبيهة بتلك التي أنشأها الفرس على يد كورش العظيم وامتدت من اليونان إلى الهند قبل أن يقضي عليها الإسكندر المقدوني في القرن الرابع قبل الميلاد.

الآن تعود نذر الحرب الطائفية في الشرق الأوسط بصورة لا تدع المجال للشك وتظهر الاستقطابات الطائفية بادية للعيان، ومعها تلتهب مناطق التماس بين الطائفتين في لبنان وسورية والعراق وتركيا وإيران، ومعها أيضا يستميت الشيعة على الاحتفاظ بالمكتسبات التي حققوها في الآونة الأخيرة في لبنان وسورية والعراق وخاصة بعد الإطاحة بالرئيس العراقي الأسبق صدام حسين وزوال حكمه أمام الرفض السني الواضح المتمثل بدعم الدول السنية للثورة السورية ضد حكم الأسد الموالي لإيران، وتأييدها للاحتجاجات السلمية التي يقوم بها العراقيون السنة ضد حكومة المالكي في العراق.

أمام هذا الشحن الطائفي العارم الممزوج بحرب معلنة وغير معلنة في سورية ولبنان والعراق ينأى الكرد، ذوو الغالبية السنية، بأنفسهم عن الصراع بصورة تبدو وكأنهم لا يشدون الرحال ولا يستنفرون إلا لقوميتهم. وفي الحقيقة يرى الكرد أن لهم ما يبرر ذلك،  فإذا ما عدنا قليلا إلى الوراء، وتحديداً إلى القرن الماضي، نجد أن الكرد اكتووا بنار أهل السنة في العراق وتركيا وعانوا على أيديهم المصائب والويلات والمحن والمآسي ما لا يعد ولا يحصى، وفقدوا زهاء نصف مليون من خيرة أبنائهم، منهم من قضى نتيجة استخدام السلاح  الكيماوي المحرم دوليا ضده ومنهم من دفن حياً في مقابر جماعية، ودمرت مدنهم وقراهم في محاولة من تركيا والعراق السنيتين وبدافع قومي محض لمحوهم والقضاء على وجودهم القومي، وقد حدث كل هذا دون أن يجد الكردي يداً سنية حانية تمتد نحوه أو تتعاطف معه، هذا الأمر جعل الكردي يجد نفسه غير معني بصراع طائفي يجري الآن على قدم وساق يؤججه ويستفيد منه غيره، ويرى أن قضيته هي قضية قومية عابرة لكل دين ومذهب.

فجأة نسمع مؤخراً بتقارب تركي من الأكراد في تركيا والعراق وسوريا، ونسمع عن استعداد تركيا للسماح لأكراد العراق بإعلان دولتهم فيما إذا رغبوا في ذلك، بل وفتحها باب الحوار مع أكرادها وزعيمهم المسجون أبدياً في جزيرة إيمرالي بهدف وضع حل نهائي للقضية الكردية في تركيا وإلى الأبد! يبدو الأمر أشبه ما يكون بطرفة غير قابلة للتصديق أمام تركيا التي عودتنا على محاربة الأكراد أينما وجدوا، وقد أعلنتها مراراً عن طريق كبار قادتها أنها على استعداد لمحاربة الحلم الكردي ولو كان هذا الحلم في المريخ. فما الذي حدث حتى تنقلب تركيا رأساً على عقب فيما يخص القضية الكردية؟

في الحقيقة إن هذا التقارب ما كان ليكون لولا أن تركيا الآن تتحسس خطراً أكبر من الخطر الكردي المزعوم عليها، أعني الخطر الطائفي، فهي كانت سعيدة بانتعاشها الإقتصادي الذي تحقق في ظل حكومة العدالة والتنمية، وكانت تطرق أبواب أوروبا بتأن وترو، وتصول وتجول بتجارها وفنانيها في العالم العربي سعياً إلى سيطرتها العثمانية عليه بصورة ناعمة وذكية، وتحلم بالقضاء على العمال الكردستاني بعد أن استطاعت مؤخرا استدراج الكثير من أكرادها بعاطفة دينية من خلال حزبها الحاكم ذي التوجه الإسلامي، تركيا هذه وجدت نفسها مرغمة للدخول في صراع طائفي يهدد كيانها أكثر مما يهدده الكرد، ورأت أن الخطر عليها يكمن في وسطها ذي الثقل العلوي المخترق والمدعوم إيرانياً أكثر من شرقها الكردي الذي يحارب بأدواته البسيطة دون أي دعم أو سند من الخارج. فقد بدأ العلويون في تركيا بالتحرك فور ظهور أردوغان على المنابر داعماً للثورة السورية وواضعا لبشار الأسد خطوطاً حمراء هنا وهناك، وقاموا بعدة مظاهرات ضد توجهات حكومتهم الطائفية فيما يخص المسألة السورية. وظهر هؤلاء العلويون مخترقين لأجهزة الأمن والمخابرات التركية لصالح سورية وإيران عندما قاموا بتسليم الضابط السوري المنشق حسين هرموش إلى السلطات السورية وهو لاجئ في مخيم تحرسه قوات الأمن في تركيا، مما أوقع الحكومة التركية في إرباك جعلها تتراجع عن تصريحاتها النارية ضد بشار الأسد.

ختاماً أقول إنّ ثمة طوقاً شيعياً ساخناً يحيط بخاصرة الدولة التركية الآن، يمتد من حدود أرمينيا في أقصى شمالها الشرقي إلى لواء اسكندرون في وسطها من ناحية الجنوب، ومن ثم يغوص في داخلها بأربعة عشر مليون من العلويين، وهذا الطوق محاط من جهتيه بالأكراد، وأمام هذا الوضع يبدو أن تركيا الآن تحتاج إلى الأكراد أكثر من أي وقت مضى لاستخدامهم في حربها الطائفية القادمة أو على الأقل استمالتهم إلى جانبها وإسكاتهم بفتات من حقوقهم كي لا يكونوا عبئاً عليها، وهذا سر تقاربها منهم.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s