معرض

ياسر الياس: الائتلاف الوطني السوري )بين استحقاقات الداخل واشتراطات الخارج)


Yasir ilyasعلى الرغم من التفاؤل والاستبشار بالنصر القريب ومظاهر الحماسة اللاهبة والأجواء الأسطورية والضجة الإعلامية والوعود الخارجية, التي واكبت مراسيم ولادة الائتلاف السوري المعارض في مؤتمر الدوحة في الأسبوع المنصرم, وبعد مخاض عسير وأخذ ورد وشد وجذب وسلسلة من الانسحابات للبعض وتحفظات البعض الآخر وتأجيل التوقيع على التفاهم النهائي على الوثيقة الختامية من البعض وغياب تام للبعض الآخر وسط الكثير من الضغوط أبصر التحالف الجديد النور, وعلى كل حال فإن ردود المجتمع الدولي عموما لم تكن بالحرارة التي توقعها الكثيرون والحق يقال فإن الائتلاف نفسه لم يكن سوى إعادة تجميع لقطع غيار المجلس الوطني القديم, الذي دبت الخلافات في صفوف عناصره فتفرق شذراً مذراً, وسط حرب إعلامية تبادل فيها جميع الأطراف كيل التهم وإلقاء المسؤولية وتبعية الفشل في تمثيل الثورة وتلبية احتياجاتها والوفاء بشروط نجاحها والعجز عن كسب التأييد والدعم الدولي اللازم لتغيير موازين القوى على الأرض, بما يؤدي إلى انتصار الثورة وسقوط النظام وانتهاء اللعبة.

أما وقد أنجز هذا الائتلاف ومن حيث إنه تأمل اعترافاً سريعاً ودعماً عاجلاً من المجتمع الدولي, فقد جرت الريح بما لا تشتهي السفن وكانت الاستجابات باهتة سوى الموقف الفرنسي الذي اعترف بالائتلاف ووعد بمناقشة الدعم مع شركائه, بينما اكتفت أمريكا بالاعتراف الخالي من الدسم مع ملاحظة عمل المعارضة الجديدة واختبار عملها وحسن سلوكها قبل الحصول على الشهادة, وفي حقيقة الأمر وأنا هنا لست بصدد تحليل العوامل الموضوعية, التي أخرت نصر الثورة على النظام, فقد باتت معلومة للجميع وهي كثيرة منها ما يتعلق بوضع العرب والمسلمين عموماً وتقاعس أنظمتها عن الدعم لأسبابها الخاصة ومصالح عروشها وتأثير سقوط النظام عليها نفسها, على اعتبار النظام السوري جزءاً من مدار سياسي يدور في فلك مرسوم الأبعاد يؤدي وظيفة مؤطرة محددة في سياق دوائر أوسع وأوسع على مجمل خطوط العرض والطول للنظام السياسي العالمي, الذي تمسك بخيوطه جميع القوى العظمى في العالم, ومنها ما يتعلق بمصالح دول إقليمية وأخرى قطبية تعثرت فترة وعادت مؤخراً لتنقذ ما تبقى لها من نفوذ ومصالح إستراتيجية, استناداً إلى أحلافها القائمة الكلاسيكية والجديدة استتبع ذلك فتح الباب على مصراعيه, دعماً للنظام بكل الأشكال وعلى كل الصعد وهكذا فلكل طرف أسبابه للوقوف مع النظام أو المعارضة أو جزء من المعارضة, بل وأكثر من ذلك تلجأ بعض الدول لخلق معارضاتها من العدم, بما يحقق مصالحها ويلبي أهدافها وبين شرطية الاستقواء بالخارج من الطرفين والتعويل التام عليه في حسم الصراع. هذا البعد الذي يتحكم بكل قواعد اللعبة واشتراطاتها يبني حبكة القصة ويسير أحداثها وفي كثير من الحالات يتدخل في بناء شخوصها وأخيراً سيضع نهايتها على نحو معين, إما عنوةً أو تراضياً وتفاهماً, وأنا هنا أريد الحديث عن عامل آخر تسبب في إيذاء الثورة وتعطيلها وإفساد مكتسباتها وحرف مسارها أحيانا عن أنساقها الطبيعية, عامل ذاتي يتعلق بالإخوان المسلمين واللعب بالأوراق والبيض والحجر والشقلبات البهلوانية منذ بداية الثورة وحتى هذه اللحظة ومحاولاتهم المستمرة لتجيير كل شيء على طريق الوصول للسلطة, وهو حلم قديم جديد يراودهم ليلاً نهاراً لا يستطيعون مقاومة إغرائه, ورغم أنه لكل جماعة سياسية الحق في طموح السلطة, خاصة إذا كان هذا السعي بالمنافسة الشريفة وبالوسائل الديمقراطية والطرق الشرعية وعبر صناديق الاقتراع, شرط أن يتم ذلك كله في أوانه وأمده الصحيح وفي ظروف صحية طبيعية تعرف فيه الأحجام الطبيعية لكل فريق سياسي بانتخابات حرة نزيهة تأتي لاحقاً بعد سقوط النظام , ولكن الذي حدث هو بخلاف ذلك, فقد رأينا بعد استمرار الثورة وتأكد العالم من ديمومتها إلى أن يقضى أجل النظام حدث ما يشبه التواطؤ الدولي والإقليمي والعربي, كنوع من التوافق والإعداد المسبق وتحضير معد سلفاً للإخوان, ليرتبوا معه الأوراق والدفاتر وجرد الحسابات والتفاهمات تمهيداً لتوليتهم بطريقة أو بأخرى, والحقيقة فإن الإخوان بارعون في لعبة الصعود على السلالم وارتقاء الأعالي وامتطاء الأمواج؛ حيث بادرت تركيا فوراً ودون إبطاء إلى تبنيهم أرضاً ودول أخرى مالاً وأخرى سياسياً ودواليك, ووضع الإخوان من قبل هذه الدول جميعاً في مركز الثقل والقوة والقرار والأمر والتحكم يفتح الباب على أسئلة لا حصر لها تبدأ ولا تنتهي .

ومع أننا لسنا ضد الإخوان فهم في النهاية جزء من الشعب وتركيبة المعارضة, إلا أنه رغم ما تطرحه الجماعة من أفكار ورؤى لا تتعارض في ظاهرها مع توجهات الأحزاب الأخرى والشارع من مفاهيم الحرية والعدالة والدولة المدنية والحقوق الإنسانية والمساواة ووووو, مما تجتمع عليه كل القوى والتيارات الوطنية والحزبية والشعبية, ومع ذلك لا يمكن الركون إلى هذه الرؤى المجردة, خاصة وأن التاريخ وواقع الأحداث والسير العملي للوقائع والتسريبات والحال المشاهدة, تشهد بعكس ذلك حيث الوصاية وادعاء التمثيل وفرض الرأي والتفرد بالقرارات حتى قبل بلوغ السلطة, التي يبدو الإخوان متأكدين من حصولهم عليها, وهذه الإشكالية تنسف الأساس الذي خرجت الجماهير في سوريا لأجله إلى الشوارع, وهو نشدان الحرية وإحلال الديمقراطية, وإلا فما فائدة الثورة إذاً من الأساس.

ورغم وجود فوارق جوهرية بين السلفية الجهادية والجماعات الأصولية المتطرفة وبين الإخوان كحركة إسلام سياسي معتدل كما تطرح نفسها, بما تمثله السلفية الجهادية من إغراء ديني يمزج بين عسل الدنيا والآخرة في اجتذاب العقول والقلوب بغية الاستيلاء على المشاعر والادعاء بامتلاك عصا موسى السحرية وسفينة نوح للنجاة من قاع العذاب والشقاء والتشويق بالفراديس وجنان الخلد لمن يسير في ركابهم, مستفيدة من مساحات الجهل والأمية لاجتذاب الطبقات المسحوقة المعدومة المتعطشة لإشباع سريع عاجل, لخور ذواتهم الفارغة الطامحة لإثبات الوجود ولو كان في عالم التطرف والمغالاة, خاصة مع توفر ظروف تاريخية مواتية لهبوب رياحها كما في الحالة السورية واستغلال حالة الفوضى النسبي, التي تخللت ثورات الربيع العربي؛ حيث وجدت ضالتها في التعبير عن ذواتها المأزومة أصلاً, سياسياً واجتماعياً واقتصادياً, والمحبطة فكرياً عبر سلاح في يدها وعقيدة مقفلة على ما عداها, ممارسة الفرز على الناس بين مسلم وكافر ومؤمن وفاسق ومستقيم وضال, متجاوزةً أولويات الشعوب والمجتمعات المتنوعة (في الحالة السورية ), في الحرية والعدالة والحقوق الاجتماعية والسياسية والازدهار الاقتصادي والعيش الكريم, وما يقتضيه ذلك من وئام وتسامح وسلم أهلي وعقد اجتماعي منفتح, لا مصادرة فيه ولا إقصاء ولا استقواء ولا تبعية, وقد خبر الجميع رواج مثل هذه العقلية وآثارها المدمرة في كثير من البلدان مثل العراق وأفغانستان واليمن والصومال وحتى مصر في سيناء وغيرها كثير, ومع ذلك فالكثيرون تساورهم الشكوك والمخاوف من استئساد الإخوان واحتكارهم للمعارضة وأسرها في قفص تطلعاتها وتوجهاتها, والبعض لا يخفي قلقه من إمكانية تحول الإخوان وانقلابهم على ما بدؤوه وأبدوه من دعوى للانفتاح العام إلى نظام يشبه نظام الملالي في طهران, في حال وصولها للسلطة والرجوع إلى مربع الدكتاتورية والاستبداد المقيت؛ حيث دأبت جهات الإسلام السياسي وعلى رأسها الإخوان على التصرف وكأنهم هم من أشعل الثورات وصنعتها وعملت بكل الوسائل والطرق على أدلجتها وصبغها بطابع إسلامي بحت, ساعدها على ذلك دعم إعلامي ولوجستي ومادي وسياسي لا محدود, ورغم أن هذا الدعم يصب من جهة في صالح الثورة, إلا أن أنه يصب من جهة أخرى في صالح الجماعة سياسياً في مستقبل الأيام وحاضرها, بسبب من الإقحام الممنهج المدروس للعامل الإسلامي وتلوين الحراك الشعبي الشبابي الثوري كله به, لقد كان من نتائج هذه السياسات تهميش كافة العناصر الحضارية والمدنية والليبرالية التي يتسم بها المجتمع السوري بطبيعته في عمومه, وأدى النفخ المتزايد في كير التنور الديني والمذهبي وأحياناً القومي إلى إضعاف زخم الشارع وكبل مسير الثورة بمعايير ومقاييس بعيدة عن طبيعة الواقع والمجتمع وروحيته ومرجعياته وتجاهل الانتماءات الصغرى للكثير من فئات المجتمع, لا لصالح الانتماء الوطني لكل السوريين, وإنما لصالح انتماء أصغر لفئة واحدة, وألقى تاليا نسبة كبيرة ممن أيد الحراك الثوري في بداياته خارج حساباته المستقبلية فارتفعت حدة النبرة الطائفية وتأجج أوارها واستعر وطيسها في إلحاح شديد لاستثمار هذا العامل إلى أقصى حد ممكن.

ومع أن النظام يتحمل قسطاً وافراً من مسؤولية تغذية العنف الطائفي المضاد, بما ارتكبه من مجازر وحشية وأعمال إجرامية انصبت بمعظمها على مناطق ذات تموضع سكاني معين, إلا أن ذلك لا يبرر التطرف والمغالاة من باب الاستثارة الممنهجة, أما ردود الأعمال الفردية فلا يمكن ضبطها أو حتى لومها, وعلى العكس يلتمس لها العذر, ولا ريب فإن هذا الأمر رفع من منسوب القتل الوحشي والجنون الهستيري وأغرق البلاد في العنف والعنف المضاد, وأضاف على الثورة أبعاداً عنصرية وطائفية وأبعاداً نفسية أقلها الانتقام والثأر وأخرى كثيرة غيرها, بحسب رؤية كل جماعة وطرف وفئة.

ومن ناحية أخرى فرض هذا الواقع انقساماً عامودياً, غدا معه الكثير ممن لا يستهويه تحول الصراع من ثورة على الاستبداد والقهر والفاشية إلى حرب بين حزب المؤمنين وحزب الكفار, ولا يروق له الانخراط فيه, تحولوا في عرف الطرفين إلى خونة وعملاء وشبيحة أو جبناء, ولما لا, وقد اكتسبت شكل الحرب الدينية المقدسة وصارت هناك مواقع وأماكن وشواغر كثيرة بين الاثنين كالمكان بين المطرقة والسندان أو الغريب في عرس, وأصبح الجميع مطالباً بتحديد ولائه واصطفافه, وإلا فالقتل والتنكيل أو التهديد مصيره من هذا أو ذاك, ومع الأسف فإن المسألة غدت في بعض وجوهها سجالاً وحلبة, بسبب من دوافع أطراف الصراع لتصفية الحسابات والانتقام ,وسبيلاً للبقاء في السلطة في حالة النظام, والوصول إلى السلطة في حالة المعارضة, غير غافلين عن وحدة الهدف ظاهرياً بين الثورة الشعبية والمعارضة في إسقاط النظام, مما لا ينقض الكلام السابق ولا ينفيه, ألم يقل بخيتان (عضو في القيادة القطرية), نحن مستعدون لقتل ثلث الشعب ليبقى النظام, وفي المقابل من لم يسمع كثيراً العديد من المحسوبين على المعارضة وبعض الملتفين حولها, من أغرار السياسيين وصغار المثقفين وكبار التجار الطامحين للسلطة, يقول: ماضون ولو أدى إلى فناء ثلثي الشعب, ليعيش الثلث المتبقي في جنات الديمقراطية الموعودة.

كل ما سبق من هواجس طبقات وفئات وأقليات دينية ومذهبية وقومية, لا تجد أجوبة لأسئلتها عن شكل سوريا المستقبل, ولا ضمانات حقيقية مطمئنة لمصيرها في قابل الأيام, إضافةً للتدخلات الخارجية الحادة, وانزلاق الثورة الشعبية بإرادتها حيناً وبدون إرادتها أحيانا أخرى,
إلى لعبة إقليمية ودولية, ونقطة تجاذب وافتراق لمصالح فردية وحزبية وإقليمية ودولية زادها دماء الشعب السوري وبناه التحتية وتاريخه وحضارته وقوت يومه وغده ومصيره ككل.

أما بالنسبة للقضية الكردية فإن الوقائع إلى خلقها النظام على ساحة غرب كردستان ديمغرافياً وسياسياً واجتماعياً واقتصادياً, إضافة لمواقف المعارضة السلبية في كثير من المطالعات وتشعبات الموضوع إقليمياً ودولياً, والمستجدات التي فرضها الثورة وحال الانقسام في الشارع الكردي, تستلزم من الكرد التقدم خطوات أكبر وأبعد نحو ترتيب بيتهم الداخلي وبلورة رؤية سياسية شجاعة خلاقة, تحسن التعامل والتعاطي مع مجمل التحديات الوطنية والقومية التي تتقاطع مع وجودهم أرضاً وشعباً داخل الوطن وخارجه, فإضافةً إلى الضعف الذاتي الذي يعاني منه الكرد, نجد أن العوامل الموضوعية المحيطة بقضيتهم سواء من شركاء الوطن أو الدول والأطراف التي تدس يدها في الشأن السوري كلها, تصب جملة واحدة في اتجاه ترسيخ حالة التهميش والتبعية التاريخية المطبقة بحق الكرد, فعلى الصعيد السياسي نجد البرود وقلة الحماس والضبابية والإقصاء, وأحياناً العنصرية في تعاطي الكثير من أطراف المعارضة مع استحقاقات القضية الكردية.

وعلى الصعيد الإعلامي فقد وجدنا الإعلام العربي والخاص الذي تبنى الثورة في بدايتها, يطرح أسئلة تتعلق بالكرد ودورهم في الثورة, وكان الملاحظ فيها طغيان النظرة الاستخدامية الوظيفية التسخيرية, دون الخوض في جوهر القضية الكردية وخصوصيتها القومية والتاريخية والجغرافية, بهدف استثارة عواطف الكرد في إطار إيحاءات بوحدة وطنية شكلية مجانية زائفة, لم تجد حرجاً في استعمال ألوف العبارات الإمحائية الدمجية, حينما كانت الثورة تمر بإشكاليات عددية وإحصائية, ولم نجد حينها ولا بعدها نقاشاً عميقاً, أو طرحاً رصيناً موضوعياً, يعالج ملابسات الماضي ويعيد اللحمة والثقة والتآلف إلى الوحدة الوطنية المهترئة منذ قرون من الزمن, وغاب عن هذا الإعلام عفواً وقصداً, الحديث عن التاريخ المشترك والتاريخ الحقيقي للشعب الكردي ومنجزهم الحضاري إنسانياً وكردياً وإسلامياً وحتى عربياً, ولا ذكراً لإسهاماتهم في نضالاتهم المشهودة وأدوارهم الوطنية في تاريخ سوريا الحديث, وكان هذا الإعلام يقترب من الكرد ويبتعد عنهم تبعاً لغاية في نفس يعقوب سوى استثناءات قليلة لا تسمن ولا تغني من جوع, وامتلأت منابر هذا الإعلام في أحيان كثيرة بعبارات التعميم والاختزال والتبسيط والتقزيم, وأحيانا الإجحاف والظلم ومجافاة الحقائق والتضليل ومقاربة المسألة بوصفها ورقة أو خطراً, وبلغ الأمر بعض الأحيان حد الإهانة, وتم استحضار الصور النمطية للإنسان الكردي الذي عمل البعث على تشكيلها وتثبيتها في الأذهان, فتأرجح الإنسان الكردي بين مواطن سوري فقط, أو أقلية عرقية مهاجرة من تركيا أو انفصالي, وغالباً ما كان هذا الإعلام يشهر في وجه الكردي صورة صلاح الدين الأيوبي في إشارة منه إلى توجب تضحية الكردي بالقومي لصالح الديني, وكأننا نعيش في عهد الصحابة الكرام, وهكذا فهم لا يريدون رؤية الكردي إلا مازوخياً يجلد نفسه للآخرين, في لوحة تنصهر فيها ذاته وكينونته وشخصيته, وكأنها الصورة المثالية الطبيعية له, وتصعد هذه الصورة إلى مديات أكثر قبحاً وبشاعةً كلما ضاقت مدارك الآخر واشتدت حميته القومية أو الدينية, فيصبح الكردي عنده متعصباً أو عنصرياً, وربما اتهم بأنه إسرائيل الثانية بدون مبالغة.

وعموماً فإن الحراك الثوري الكردي السلمي لم يتلقى الدعم الكافي, وانتفت الحاجة إليه من وجهة نظر أصحابه, خصوصاً بعد أسلحة الثورة, وأنا أريد هنا التعريج إلى الكتائب التي حررت رأس العين الكردية, باسم الجيش الحر؛ حيث لاقى دخولها الترحيب والابتهاج من المدنيين, وتجلى ذلك بقيام مجموعة من تنسيقيات الشباب الكرد, باستقبالهم بالورد ورايات النصر, تأكيداً على التأييد والبهجة بمقدمهم, حاملين العلم الكردي, فما كان منهم إلا أن تقدم أحد عناصر الجيش الحر بعنف وغضب (لفو لفولفولو كنتو قبضايات كنتو حررتو مناطقكم), ولولا تدخل البعض لصده عنهم, لتطور الوضع لما هو أسوأ وأنكى, لقد غاب عن هذا الفاتح الجديد كل المعاني الوطنية والإنسانية والأخوية والثورية الجميلة, التي يلخصها هذا المشهد الراقي إن العينة تنبيك عن البضاعة, فهل هذا تصرف فردي يقف عند حدود صاحبه, أما إنها أحاديث قوم شهد بها شاهد من أهله ونطق بها فم من أفواههم وتناجوا بها مع زملائه الفاتحين مراراً وتكراراً, ويا للأسف وماذا يقول هذا الفاتح لأهل درعا وإدلب وحماة وحمص والشام والساحل والرقة وديرالزور وحلب غيرها من المدنيين ونسبتهم تسعون بالمئة من الشعب, هل جميعهم ليسو قبضايات, أم مخازين الحقد والكراهية لا تجد متفسها إلا في وجوه الكرد, أم إنها القوة الطارئة التي تبيح للفاتح الجديد فعل ما كان يفعله المقاوم القديم, ثم الكرد منخرطون في كل كتائب الجيش الحر خارج المحافظة, ومعروف أن سياسات النظام فرقت الكرد وهجرتهم بسياسة ممنهجة خارج القطر وداخله, بحثاً عن الأمن والحياة الكريمة, ومعروف مشاركة الكرد عسكرياً في قصبات دمشق وحلب ومدى قوة تواجدهم السكاني هناك وكل المحافظات الأخرى, ألم يتناهى إلى سمعه أعداد الشهداء التي تسقط من الكرد في كل ربوع الوطن.

أما بالنسبة للحسكة فلم يكن وارداً استخدام السلاح ضد النظام, لأنه لم يواجهها بالسلاح, ثانياً الشعب الكردي غير مسلح على عكس القبائل العربية جميعا المدججة بكل أنواع الأسلحة, ثالثاً المعادلة الإقليمية لا تسمح بتسلح الأكراد, إذا علمنا أن مصدر هذه الأسلحة الدولة التركية المعروفة بعدائها للكرد, فكيف بها تسلحهم, وهي تحتل نصف الوطن الكردي, رابعاً معادلة المكونات الإثنية مختلة في الحسكة, بما لا يشجع على حمله, إذا علمنا أن أكثر من مليون عربي في محافظة الحسكة مسلحة سابقاً من النظام في لعبة العداء القديم للكرد, وأغلبهم إن لم نقل كلهم يناصبون الثورة والجيش الحر والكرد العداء, فضلاً عن تحول المنطقة الكردية إلى ما يشبه المنطقة الآمنة غير المعلنة لكل النازحين السوريين الفارين من بطش النظام, علاوة على نذائر حرب أهلية طاحنة في الحسكة كردية كردية وكردية عربية, فضلاً عن حسابات الإخوة المسيحيين والأرمن, وتواجد آبار النفط والغاز كلها في الحسكة, مما ينطوي على مخاطر جدية فادحة وكارثة كبرى, تفوق مثيلاتها في المحافظات الأخرى, خصوصاً مع ندرة الدعم بل وانعدامه نحو المنطقة الكردية من المانحين وراء الحدود, ولا ندري لماذا؟وما جرى أخيراً في (تربه سبي) القحطانية و (جل آغا) الجوادية, واستعراض العضلات والقوة والعنتريات من المستوطنين الغمر وبالمتحالفين معهم من بعض القبائل نصرة للنظام من ناحية, وإثباتاً لسيطرتهم على الأرض من ناحية أخرى, لا يبشر بخير, فهل يفهم بعض الإخوة المتفلسفين المتأستذين كل هذه الحسابات وغيرها مما يطول به المقام.

وأخيرا فهل يثبت الائتلاف الوطني (المجلس الوطني سابقا) جدارته في قيادة المرحلة ويرتقي إلى حجم المخاطر والتحديات ويستشرف الهموم والهواجس والتطلعات لكل أبناء الشعب السوري بكل أطيافه, بعقلية أكثر انفتاحاً وروحية أكثر مسؤولية……. الأيام القادمة وحدها كفيلة بالإجابة عن هذه الأسئلة وغيرها.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s