معرض

الوثائقي ‘حلبجة’ لأكرم حيدو: الأكثر فظاعة من المجزرة هو تذكّرها!‎


روكسل هوشنك أوسي: مَن مِنّا لم يسمع بتلك المجزرة الرهيبة التي حدثت في منتصف آذار سنة 1988، حين تمّ قصف مدينة حلبجة الكرديّة على الحدود العراقيّة الايرانيّة، بكردستانالعراق، بالاسلحة الكيماويّة، من قبل النظام العراقي السابق، وراح ضحيّتها ما يزيد عن 5 آلاف شخص ؟!. هوشنك أوسي
تلك المجزرة، التي كلّل بها النظام العراقي السابق، نهاية الحرب العراقيّة الايرانيّة، كانت ولا زالت، مادّة للكثير من الندوات والمؤتمرات والدراسات والابحاث، وللاعمال الابداعيّة، من رواية وشعر وقصّة وأفلام وثائقيّةوالأخيرة، حاولت تسليط الضوءعلى نتائج المجزرة وهول وفظاعة ما جرى، عبر السرد التاريخي للاحداث وإيراد الارقام والاحصائيّات لعدد الضحايا، وما تلى ذلك من آثاروتبعات وخيمة على البشر والحجر والشجر. وخلافاً لتقاليد الاشرطة السينمائيّة الوثائقيّة، من تركيز على المشاهد المروّعة للمجزرة، عبر العودة للأرشيف، والتعليق عليها بالكلام والموسيقى التصويريّة المؤثّرة، واستضافة الضحايا او المحللين او المؤرّخين او الباحثين…، نحى المخرج الكردي السوري أكرم حيدو في فيلمه الوثائقي السينمائي ‘حلبجة’ منحاً آخر، ومغاير تماماً لكل تلك التقاليد في تناوله للمجزرة بعد مضي 23 سنة من حدوثها، فاتحاً هامشاً لنسقٍ آخر من التوثيق السينمائي لهكذا أحداث مأساويّة. وذلك عبر التركيز العميق واللصيق على القصص الانسانيّة الجريحة التي لا زالت تنزف في حلبجة، والابعتاد كلّيّاً عن ‘الحدوتة’ السياسيّة العسكريّة المكررة للمجزرة التي نعرفها جميعاً. لقد حاول حيدو أن يرينا الوجه الآخر للمدينة المنكوبة أنسانيّاً، عبر الالتفاتة الى أصداء المجزرة التي لا زالت مستمرّة في يوميّات وذكريات أهالي المدينة، بعد مرور 23 سنة من حدوثها. وذلك، بحساسيّة فائقة الجودة، بحيث جعل المشاهد، أيّ مشاهد، حين يفرغ من متابعة الفيلم، يعتبر نفسه أحد ضحايا هذه المجزرة، وبل يعتبر نفسه ‘حلبجة الشهيدة’ نفسها. هكذا، ودونما أيّ تردد، يمكن تصنيف الفيلم الوثائقي ‘حلبجة’ بأنه من طينة ‘السبق السينمائي’ في التناول والمعالجة الوثائقيّة، من حيث طزاجة وفرادة الاسلوب وزاوية الرؤية الفنيّة لفاجعة وكارثة انسانيّة، بعيداً من قواميس التحليل السياسي والتأريخ والارشفة، والقريبة جدّاً من الانسان وحيوات المجتمع وتفاصيله الهامشيّة.

الشهيد الحيّ

يبدأ الفيلم، بمشهد خطوات شخص، على شارع مرصّف بالحجارة، وظهره الى الكاميرا. طقطقات خطاه، تبعث في النفس الرهبة والترقّب، وإذ به يقف امام مقبرة. ثم يدخلها، سائراً بين القبور، ليقف عند شاهدة، قائلاً: ‘هذا قبري. وهذا اسمي مكتوب على شاهدته’. هذا الشاب البلغ من العمر 23 سنة، هو علي، الرضيع الذي انقذه احد الجنود الايرانيين من بين الجثث المتناثرة في المدينة المقصوفة، واخذه معه الى ايران. وبعد مضي 23 سنة من المجزرة، واعتبار السلطات الكرديّة عليّاً من بين الضحايا، وتحديد قبر رمزي له ضمن مقبرة شهداء حلبجة، عاد عليّ الى مدينته للبحث عن عائلته الحقيقيّة. ورحلة البحث هذه، لكأنّها رحلة العائد من المجزرة اليها. إذ يتواصل مع الناجين وبعض المنظمات الحقوقيّة المعنيّة بالمفقودين. وأثناء تجواله في مدينته، يتعرّف الناسُ على قصّته، ما يبعث في أنفسهم الأمل لجهة احتمال ان يكون أبناء أو أقرباء لهم لا زالوا على قيد الحياة، في مكان ما، ربما سيعودون الى مدينتهم، كما عاد الفتى عليّ. ومن بين هؤلاء، احد استاذة مدرسة ابتدائيّة، فقد خمس أطفال، اثنان منها ماتا أمام عينه، والثلاثة لا زالوا مفقودين. ويرفض الاستاذ تسجيل اسمائهم على انهم موتى شهداء، للحصول على التعويضات، أملاً ان يعود أطفاله الثلاث له، في يوم ما. وبالتالي، أراد المخرج ان يوحي الينا، وبلغة سينمائيّة بسيطة وعميقة بأن عودة عليّ، فتّقت جراحات المجزرة في أفئدة وذاكرة الناجين منها، ممن فقدوا أعزّاء لهم أثناءها، ومن جهة أخرى، عززت لديهم الأمل في احتمال ان يكون بعض أعزّائهم (الشهداء او المفقودين) أحياءاً، في مكان ما، وسيعودون لهم يوماً.
وفي سياق سرد حيدو لقصة عليّ، يتناول قصص وشهادات أخرى من ضحايا المجزرة، وذكرياتهم الأليمة التي تتمزّق لها القلوب. وتنتهي محنة الفتى عليّ عند عائلتين، ربما يكون هو أحدى ابنائها المفقودين. وفي مؤتمر صحافي تعقده المنظمة المعنيّة بالمفقودين للاعلان عن نتائج فحص الحمض النووي، كي يتعرّف الجميع على حقيقة ان عليّ، ابن أيّ من الاسرتين هو، وحين تعلن النتيجة، تنهمر دموع الجميع، ويبدأ العناق الحميم والأليم والمفرح…، بين عليّ وأمّه وزوجها.
بعدها، يسلطّ حيدو الضوء على حياة عليّ الجديدة بين أخوته الجدد من أمّه، وزوجها. ذلك ان أمّه بعد فقدانها لزوجها وأولادها في مجزرة حلبجة سنة 1988، تزوّجت من شخص آخر، وأقامت في مدينة السليمانيّة.

هنا كانت المذبحة
سعى أكرم حيدو في فيلمه هذا، الى ان تحيط عدسته بتفاصيل التفاصيل في المدينة وحيوات سكّانها، عبر رصد حركة الناس في الاسواق، ولعب الاطفال في المدارس والشوارع، ناهيكم عن حركة المارّة والسيارات والطبيعة والحيوانات والاشجار والازهار وحتّى الحشرات، لنظنّ للوهلة الأولى أننا نشاهد قيامة المدينة الشهيدة، بعد نحرها قبل 23 سنة!. ولكن، في سياق حركة الكاميرا، واحاديث الناس، سعى حيدو الى التأكيد على ان اصداء المجزرة لا زالت مستمرّة، عبر الذاكرة الحيّة والأليمة والواخزة في الوجدان والخيال. بالاضافة الى تسليطه ضوءاً ناقداً خافتاً على الاهمال الذي تعانيه المدينة من حكومة الاقليم الكردي، عبر الاشارة الى سوء الخدمات فيها!. واثناء استماعه لشهادات الناس، كان يركّز عدسته على ملامح الوجوه وتغضّنات العجائز والكهول وحركات الايدي والنظرات…، لكأنّه يحاول توثيق الحالات الانسانيّة الروحيّة عبر رصد منعكساتها على الملامح وحركة الجسد والحواسوعليه، كل صورة في فيلم حلبجة، تضجّ بالافكار والاسئلة والتلميحات والانتقادات ايضاً. واللافت في شريط حلبجة لأكرم حيدو، تركيز المَشاهد على جيلين؛ الاطفال والشيوخ، لكأنّه يريد القول: إن من كان شابّاً اثناء المجزرة، بات الآن طاعناً في السنّ، من هول المجزرة. بينما الاطفال، هم الجيل الثاني، الذي ينبغي ألاّ يكون الضحايا الجدد لمجزرة حدثت قبل 23 سنة!. في حين ان الشباب، إمّا هم هجروا المدينة الى مدن كرديّة اخرى، او الى خارج كردستان.
وبعد الفروغ من الفيلم، يتولّد انطباع لدى المشاهد مفاده؛ ان هذا الشريط سوداوي المنحى والمرام. ولكن، ضمن المشاهد التي تركّز على الخضار والفاكهة وحركة الاطفال والعابهم، والتركيز على السماء والافق والاشجار والطيور، وضجيج المدينة، كل ذلك يشي بأن المخرج، يريد ان يبقي على نافذة الأمل مفتوحة على المستقبل.
حيدو المولود في 02/02/1973، بمدينة سري كانيه (رأس العين) الكرديّة، شمال شرق سورية، يعتبر من المخرجين السينمائيين الكرد السوريين الشباب البارزين. درس الاخراج السينمائي في مدينة دورتموند الالمانيّةويقيم في العاصمة الالمانيّة برلين منذ 2007. و’حلبجة’ هو فيلمه الطويل الثاني، بعد فيلمه الأوّل؛ ‘الاطفال المفقودون’، بالاضافة الى عدّة افلام قصيرة حققها. وفيلم حلبجة (72 دقيقة)، شارك في نحو 20 مهرجان سينمائي دولي ومحلّي، ابتداءاً من مدينة دياربكر (آمد) في كردستان تركيا، وصولاً الى البرازيل ولندن والمانيا، مروراً بمهرجان الخليج للافلام السينمائيّة. حيث حصد جائزته الأولى، كأفضل فيلم طويل وأفضل اخراج.

تحرير حلبجة من نكبتها سينمائيّاً
حول فيلمه، البعيد من الارقام والتواريخ وآراء الخبراء والمحللين والضحايا، وكيفيّة ايجاد توليفة جديدة للوثائقي السينمائي بحيث يخرج عن السياقات التقليديّة، صرّح أكرم حيدو بالقول: ‘اردت ازالة الحدود والحواجز بين المشاهدين وسكّان حلبجة، كي ينظر الى هذه المدينة من مناظر ونافذة إنسانيّة. اردت تحرير حلبجة من الارقام والصور التلفزيونيّة النمطيّة، عبر التعريف بحقيقتها، والتركيز على حيوات الناس، وليس قوائم الارقامونقل تلك القصص الاليمة، والتعبير عن مشاعرهم واحاسيسهم في تلك اللحظات التي لا ولن تتكرر. تلك اللحظات التي لا زال الحلبجيون يعيشونها حتّى بعد مرور 23 سنةوبتقديري، هذه هي السينما الوثائقيّة القريبة من الناس. والشريط الوثائقي، لا يقلّ اهميّة من الفيلم الروائيّ الطويل، لجهة الرسالة التي يريد المخرج ارسالها للعالم‘. ويضيف: ‘اردت ان أري أهل حلبجة، ذواتهم الجريحة، وأراحهم التي تنضح بالأمل والألم، قائلاً لهم: هذه حلبجة الشهيدة. وهؤلاء انتم‘.
وعن تقييمه للاشرطة الوثائقيّة الكرديّة؟ وهل يجد ان هنالك سينما وثائقيّة كرديّة؟، يقول حيدو: ‘لا توجد سينما وثائقيّة كرديّة، لأن التلفزة، ساهمت في اتلاف هذا النوع من السينما عند الكرد. ذلك ان التلفزة، تقوم بلصق المشاهد والصور تباعاً، وتضيف اليها التعليق، وتقول: تفضلوا، هذا فيلم وثائقي. وهذا تشويه لذائقة الناس’. ويتابع: ‘من الاهميّة القصوى بمكان، ان نعيد النظر في تاريخنا وحياتنا وروحنا بشكل جادّ. وتلعب الافلام الوثائقيّة دوراً بارزاً في هذا المسعى’. واختتم حديثه بالقول انه يطمح الى تحقيق الافلام، ثم تحقيق الافلام وثم تحقيق الافلام. ولا شيء غير ذلك. مشيراً الى تأثّره الشديد بحكايات جدّته له، وتخيّله لها، اثناء السرد، على شكل شريط سينمائي. متمنّياً العودة الى سورية، كي يحقق أفلاماً عن الثورة السوريّة، ويعرض فيلمه، حلبجة، هناك.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s