معرض

محنة الكرد السوريين بين الاخوان والكردستاني!‎


بروكسل – هوشنك أوسيهوشنك أوسي

 

الكلّ، بات يحذّر من التطرّف والاصوليّة والسلفيّة الاسلاميّة ضمن الثورة السوريّة. وكان لكاتب هذه الاسطر مقالين في جريدة “الحياة” اللندنيّة، في سياق قرع اجراس الخطر المحدق بالثورة السوريّة، الاوّل، كان بعنوان: “لئلا ننظر للثورة السوريّة بعين الدوغما والقداسة” (03/09/2012) والثاني، كان بعنوان: “مخاطر أخونة الثورة!” (04/10/2012). وهذا التغلغل الفجّ والخطير للتطرّف الاسلامي في الثورة السوريّة، تتحمّل تركيا وقوى المعارضة السوريّة الاسلاميّة والعلمانيّة والليبراليّة المواليّة الموالية لها، والنخب الثقافيّة المحسوبة عليها، جلّ مسؤوليّة هذا الانزلاق والانحراف الذي يشهده قطار الثورة السوريّة وخروجه عن سكّته. وكما تتحمّل كل القوى الدوليّة والمجتمع الدولي مسؤوليّة ذلك، بسبب تركها الشعب السوري وحيداً يواجه آلة الحرب الأسديّة تمضي في توحّشها لسحق الثورة السوريّة. بالاضافة الى مسوؤليّة النظام السوري ووحشيّته، التي لا حاجة الى التذكير بها. وبديهي، ان التطرّف، سينتج مثيله. فمن يحمي نفسه من التطرّف، قد يلجأ للتطرّف. زد على ذلك، ان التطرّف الاسلامي في الثورة السوريّة، يعطي اعظم وأكبر التبريرات للنظام السوري، وللمترددين السوريين، ولمن يسعى للنأي بالنفس عن الثورة السوريّة من الكرد والاقليّات القوميّة والمذهبيّة الاخرى، ما يعزز قوّة وبطش وبربريّة النظام السوري،

 

في حمأة الثورة السوريّة والصراع الإقليمي – الدولي على سورية، يبرز اسم تنظيمين آيديولوجيين معروفين، في سياق التداولات الاعلاميّة والتحليلات السياسيّة، هما جماعة الأخوان المسلمين السوريّة، وحزب العمال الكردستاني. وغنّي عن البيان ان الكرد السوريين، كانوا ولا زالوا لهم قصّة ثابتة – متحرّكة مع هذين التنظيمين، العدوّين لبعضهما البعض. فلكلا التنظيمين العقيديين دورهما وتأثيرهما الفاعل على مجمل تفاصيل الحراك الثوري السوري. وقد ازدادت المناكفات بينهما، لتصل الى درجة الصدام المسلّح في مناطق حلب وريفها، راح ضحيّته العشرات من الطرفين. وتندرج هذه الاسطر، في سياق محاولة فكّ وفهم التداخلات والتشابكات الناجمة عن سياسات الاخوان والكردستاني وتأثيرها على الكرد السوريين.

 

معادة جماعة الاخوان المسلمين للحقوق الكرديّة في سورية، لا تتأتّى فقط من كون هذه الجماعة موالية تماماً لتركيا وحكومتها الاسلاميّة، وخاضعة لها، بل ربما لا نبالغ إذ نقول: هذه الجماعة، هي التي تثير تركيا وتؤلّبها على الكرد السوريين، عبر نفخ في كير المخاوف التركيّة من تواجد حزب العمال الكردستاني على الاراضي السوريّة، وتبعات ذلك على الداخل التركي. ذلك ان قيادة الجماعة، وأثناء صراعها المسلّح ضدّ نظام الأسد الأب لقلب نظام الحكم والاستيلاء عليه نهاية السبعينات ومطلع الثمانيات، ووحشيّة حافظ الاسد في سحق تمرّد الاخوان، مذاك، وهذه الجماعة تكنّ الحقد والبغض والكراهية للكرد السوريين، وتعتبرهم “خونة” و”عملاء نظام الاسد”، على اعتبار ان الكرد السوريين، مسلمون سنّة، ولم يناصروا تمرّد الأخوان ضدّ النظام الأسدي (العلوي – النصيري) كما كان ولا زال يردد الاخوان، أثناء وصفهم للنظام السوري الحالي!. وكانت العبارات البذيئة والمسيئة للكرد السوريين تكتب على الجدران في الأحياء ذات الغالبية الكرديّة في مدينة حلب السوريّة، بتحريض من الأخوان. زد على ذلك ان الجماعة، ساندت النظام العراقي السابق في حربه على الكرد والشيعة في العراق!. وبالتالي، ثمّة عقدة كرديّة مزمنة، تستوطن الذهنيّة الأخوانيّة، ما دفع مراقبها السابق علي صدر الدين البيانوني، الى وصف المناطق الكرديّة في سورية، بأنها ليست ذات غالبية كرديّة!، في تناقض صارخ وفاضح مع كل حقائق ومعطيات التاريخ والجغرافيا والديموغرافيا. هذا الشطط، ليس ناجماً عن جهل او بلاهة، ولا عن فقدان الكياسة والحصافة اللغويّة، بل يتأتّى عن احقاد دفينة، هي خليط من العروبيّة – الأسلامويّة – الطائفيّة، التي لن تخفيها كل دعوات الجماعة الى الدولة المدنيّة الديمقراطيّة. وعليه، ما قيل عن زيارة المراقب العام للاخوان، رياض الشقفة لكردستان العراق ولقائه برئيس الاقليم الكردي العراقي مسعود بارزاني، لا يعني ان الجماعة غيّرت موقفها من الكرد، بل لأنها تريد تأليب البارزاني على تنامي حضور العمال الكردستاني في المناطق الكرديّة السوريّة!.

 

 وفي سياق محاولة كشف البطانة القومويّة – الطائفيّة لدى الاخوان، حين تسأل أحد قياداتهم: هل انتم مع تولي شخص مسيحي أو كردي أو علوي او درزي… رجل أو امرأة، لرئاسة سورية، لا يجيبك بنعم أو لا، من حيث المبدأ، بل يلجأ للمناورة والكلام الفضفاض بالقول: “نحن مع ما تفرزه صناديق الاقتراع” و”نحن مع العمليّة الديمقراطيّة”!. وهو يعلم ان حملة الشحن والتجييش الاسلاموي للشارع السوري، هي على قدم وساق، اثناء الثورة على نظام الأسد. وبالتالي، أي استفتاء او انتخابات حول الدستور او طبيعة الدولة السوريّة، سيكون منسجماً مع التوجّه والمنهج والذهنيّة الأخوانيّة!. وتجدر الاشارة هنا، الى ان انتخاب عبدالباسط سيدا (الكردي)، ومن ثم انتخاب جورج صبرا (المسيحي) لرئاسة المجلس الوطني السوري، كان لزوم المكياج، وليس ناجم عن التحوّل النوعي في الوعي والسلوك السياسي للاخوان المسلمين، لجهة السير نحو الدولة الوطنيّة المدنيّة التعدديّة الديمقراطيّة!.

 

من جهة اخرى، وكرديّاً، حتّى لو ملأ حزب العمال الكردستاني، وتنويعاته السوريّة، الدنيا بالبيانات والتصريحات التي تقول: ان الحزب وملاحقه السوريّة هي مع الثورة وضدّ النظام السوري، وان الحزب يسعى لاسقاط النظام…، فإن ما يجري في المناطق الكرديّة من خروقات وانتهاكات وحالات خطف واعتداء على النشطاء الكرد…، لهي دليل كافٍ ودامغ على ان تلك التصريحات لا تخفف من وطأة الاتهامات والانتقادات الموجّهة لأداء الحزب في سورية وتركيا. زد على ذلك ان قيادة الكردستاني، وفي تصريحاتهم الاخيرة، اكّدوا ان “الكرد خارج الصراع في سورية. وهم ليسوا لا مع المعارضة ولا مع النظام. هم مع حقوقهم”. والشقّ الاخير من التبرير، لا يمكن تفسيره البتّة. ذلك انه كيف لا تكون مع المعارضة، وانت تزعم انك تطالب باسقاط النظام!. وكيف لا تكون مع النظام، ولست مع المعارضة!. ففي هذه المرحلة الفارقة من تاريخ ومصير سورية، أيّ تحجج بالخيار الثالث، هو تغطية على إدارة الظهر للثورة السوريّة. فاختلاق المناطق الرماديّة للكرد السوريين وزعم الوقوف فيها، هي من طينة تصنّع الاوهام وترويجها بين الناس، لغايات سياسيّة – حزبويّة باتت مشكوفة.

وهنا أيضاً، يمكن التأكيد والشديد على ان محاولة تحييد الكرد، التي كانت يمارسها النظام السوري، والتي أكّد الكردستاني عليها، عبر تصريحاته السالفة الذكر: (الكرد ليسوا لا مع النظام ولا مع المعارضة!)، خلق فراغاَ هائلاً ملأته بعد الكتائب السلفيّة الجهاديّة المتعصّبة للعروبة، عبر اقتحامها لمدينة سريه كانيه (رأس العين) الكرديّة، من الحدود التركيّة، ما اعطى المبرر لطيران النظام الاسدي لقصف المنطقة وارتكاب المجازر وتشريد اهالي المنطقة. ومن المؤسف القول: ان الاحزاب الكرديّة، وفي مقدّمها حزب الاتحاد الديمقراطي، الهوا الكرد بالحديث عن اهوال ومخاطر التصادم مع النظام، بشكل مباشر، لجهة استجلاب الحروب والويلات للمناطق الكرديّة، لكأنّ الكرد يعيشون في بلد مستقلّ على شطآن الكاريبي، ويتخوّفون من ان تطال رياح الحرب في سورية بلادهم “البعيدة”!. وفجأةً، استيقظ الكرد السوريين، ونيران الحرب في ديارهم، وانهم دفعوا دفعاً الى الدخول في الحرب، وعبر كتائب اسلاميّة، عنصريّة، يقال انها لها علاقة بـ”جبهة النصرة”، اكثر من علاقتها بالجيش الحر!. هكذا، النقاشات البيزنطيّة الكرديّة عن اهوال الحرب، وضرورة تجنيب الكرد ومناطقهم التصادم مع النظام، هي التي جعلت البيت الكردي المخلخل والمليء بالشقاق والنفاق السياسي، مفضوحاً اكثر امام الداخل والخارج السوري، وهي التي جعلت محنة الكرد السوريين وخيبتهم أكثر وأكثر.

 

وهنا، يمكن اجراء المقاربة التالية بين جماعة الاخوان المسلمين وحزب العمال الكردستاني وتأثيرهما على الثورة السوريّة، سلباً وإيجاباً.

 

اولاً: الاخوان، لا يملكون قواعد جماهيريّة كبيرة بين العرب السنّة، فضلاً عن انعدام تواجدهم بين الكرد السوريين، بينما العمال الكردستاني، يمتلك قاعدة جماهيريّة واسعة، لا يستهان بها بين الكرد السوريين، تصل لمئات الآلاف.

ثانياً: كلا الحزبان، تنظيمان عقائديّاً، مركزيّاً، الأوّل؛ إسلامي – قومي، عروبي، والثاني: يساري – قومي، كردي.

ثالثاً: الاخوان حلفاء تركيا، وبل هم حصان تركيا الرابح في سورية. والعمال الكردستاني، يحارب تركيا، وله امتداده السياسي الكردي في سورية، هو حزب الاتحاد الديمقراطي PYD.

رابعاً: جماعة الاخوان المسلمين السورية، هي الورقة التركيّة الرابحة في سورية، ضد حقوق طموحات الكرد. والعمال الكردستاني، بأدائه داخل سورية وتركيا، يدخل في خدمة النظام السوري، ولو بشكل موضوعي.

خامساً: الاخوان يزعمون انهم مع حقوق الكرد في سورية. وفي هذا الزعم، الكثير من التحايل. والعمال الكردستاني يزعم انه مع الثورة السورية واسقاط النظام. وفي هذا الزعم ايضاً، الكثير من الاسئلة وعلامات الاستفهام والتعجّب والاشتباه.

سادساً: العمال الكردستاني، يرفض التفاوض مع الاخوان المسلمين، بحجّة انهم عملاء حزب العدالة والتنمية التركي (الاسلامي). وفي الوقت عينه، يقبل التفاوض مع الحزب الاسلامي الحاكم في تركيا، سرّاً وجهراً!. وتجدر الاشارة الى اصدار الاخوان بيانات تصف الكردستاني بـ”الارهاب”، تزلفاً وتملّقاً من تركيا، عقّدت أزمة الثقة بين الكردستاني والاخوان!.

سابعاً: الاخوان ساكتون عن استيلاء تركيا على لواء اسكندرون السوري، لأن سكّان اللواء السوريين، كلّهم علويون!. وبل الاخوان ساكتون عن اضطهاد تركيا للكرد (المسلمين – السنّة) وللعلويين أيضاً!. وبالتالي، وطنيّة وديمقراطيّة الأخوان مشتبه بها. ذلك انهم مستعدون دوماً لأرضاء تركيا حتّى ولو كان ذلك على حساب سورية، وانتهاك المبادئ والقيم الاسلامي. وهذا ما فعله نظام بشّار الأسد ايضاً، عبر الارتماء التام في حضن تركيا وحكومتها، قبل اندلاع الثورة السوريّة!. وهنا، لا فرق بين الأخوان اليوم، مع نظام الأسد، بالأمس القريب، في العلاقة مع تركيا.

ثامناً: من جانبه، العمال الكردستاني، كل الدلائل تشير الى انه يريد تحقيق المكاسب في تركيا، على حساب الثورة السوريّة. وعليه، لا يمكن إنكار تواجد الكردستاني في سورية. والبعض يبرر لهذا ويعتبره من حقّه، لسبيين: الأوّل، وجود قاعدة جماهيريّة كبيرة موالية له بين الكرد السوريين. والثاني؛ ان كل الاستخبارات الاقليميّة والدوليّة باتت موجودة في سورية، فلماذا حرام على الكردستاني التواجد؟!. والكثير من المراقبين الكرد السوريين، لا يقلقهم تواجد الكردستاني بقوّة في سورية، بل أداء الكردستاني الذي يثير الشبه والالتباس، سواء على الصعيد الميداني والاعلامي، الذي يقول انه مع الثورة السوريّة على نظام الأسد، ويحاول تضخيم الجوانب السلبيّة فيها وتقويض انخراط الكرد فيها!. زد على ذلك، استجلاب الكردستاني صراعه مع تركيا الى سورية، لم يعد بالامكان اخفاءه بالتصريحات الصادرة من الفرع السوري للعمال الكردستاني!. دون ان ننسى أن الصراع المسلّح بين الكردستاني وايران توقّف فجأة!، وبدأ ضدّ تركيا، أيضاً فجأةً. بالرغم ان الكردستاني كان قد اعلن عن هدنة طويلة، مددها اكثر من مرة، دعماً للحلول السلميّة والمفاوضات السريّة مع أنقرة، فما الذي جعله يعود للبنادق مرّة أخرى؟!.

 

ضمن هذه الأجواء والصراع بين الأخوان والعمال الكردستاني، تكمن حيرة ومحنة الكرد السوريين، بين الانخراط التام والمطلق في ثورة على نظام الاسد، تسير بالبلاد نحو “الأخونة”، وتأييد سلاح الكردستاني، الذي يسير بالمناطق الكرديّة السوريّة نحو اللبننة!.

 

كاتب كردي سوري

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s