معرض

في بهو الكوردولوجيا مجدداً


في بداية موجزة وانطلاقاً من مجريات الأحداث في الشارع الكوردي وشعوره العام والضغط اللاحق مؤخراً, ومن تحت لواء وظل الثورة السورية العظيمة عموماً, والتي ومازال الاعتقاد الشائع على أنها البوابة الرئيسية في تغير مجريات التاريخ والمستقبل لشعوب الشرق الأوسط قاطبةً, في الانطلاق نحو الحرية والتطور والتقدم الذي طالما طمح إليه هذه الشعوب أسوة بالعالم المتحضر, والتخلص من النظم البائدة والتوتاليتارية وثقافة العبيد بشتى صورها ومماحكاتها التجميلية والتجهيلية في شتى المسائل والمجالات, بالتالي ومن خلال الصور والمشاهد والأحداث المتسارعة وعلى ضوء الثقافة المجتمعية الكوردية والشعور القومي بالإضافة للاغتراب الفكري والثقافي عن الذات الجمعية وصورها وعبرها ومشاهداتها التاريخية, وكما هو الحال أيضاً في تجاذبات حراك الشارع الكوردي وقواه السياسية واختلافاتها وتبايناتها بالنسبة للشعب الكوردي في كوردستان سوريا, وعلى أثر تساؤلات الجماهير الكوردية هنا وهناك وفي ظل وضعٍ قائمٍ يبدو أنه غير مقروء, وعلى أثر التساؤلات النمطية وعلى الدوام, في نحو المثقف الكوردي ودوره في ظل الأوضاع الراهنة التي يمر بها الشعب الكوردي, فما كان لنا في هذه المقالة سوى تدارك وتكرار مقتطفات تدور حول البنى الفكرية والشعور القومي الكوردي وماهيته كأي أمة وشعب, فلعلنا نسهم خيراً اتجاه شعبنا وقضيتنا القومية.

لذا ولا ضير أن نبدأ من خلفية التساؤلات النمطية الموجه للكاتب والمثقف الكوردي وعلى الدوام, والتي تتمحور في نحوٍ عن ما يتطلب من الكاتب والمثقف الكوردي وعلى العموم وفي ظل هذه الظروف الراهنة التي يمر بها الشعب الكوردي, فالحقيقة وبإيجاز هي أن الكاتب أو المثقف الكوردي بنسبته الغالبة, كغيره من أقارنه من المثقفين يمتلك الفكر النير والجهد الثقافي, لكن ولظروف الشعب الكوردي وغياب مؤسسات المجتمع المدني وإلى تاريخه, تلك المؤسسات التي تنظم جهد فئات المجتمع وتوجهه, بالتالي الكاتب والمثقف الكوردي لا يمتلك رابطاً فعلياً وحقيقياً يستطيع من خلاله القيام بعملية الثقافة والوعي الموجه, بقدر ما هو في نطاق الحالة الفردية وبغض النظر عن بعض الروابط أو الاتحادات الثقافية والناشئة حديثاً والتي ولاشك أنها تسهم في بناء رابط ثقافي جامع وهذا هو التمني, لكن في السياق ذاته لاشك أن الكاتب الكوردي لديه شعوره القومي والشعور بالمسؤولية اتجاه قضايا شعبه ومجتمعه ولاشك أنه يساهم بدوره التنويري ومن خلال نتاجه الثقافي, حيث يطرحها ويتلقفها من يتلقف, والحقيقة هي أن النتاج الثقافي يطرح ويتبلور في غالبيته بالطريقة الغير مباشرة وعبر منافذها, ولكن يمكنني التعبير وفي ظل الظروف الراهنة التي يمر بها الشعب الكوردي في كوردستان سوريا, هو أن المثقف الكوردي بات يمتلك قلمه من جهة ومن جهة أخرى, أعتقد أنه عليه القيام بواجبه ومسؤولياته تجاه شعبه من خلال محاكاته لرؤى والتوجهات المختلفة التي تصدر عن ومن الشارع الكوردي, والتصدي الثقافي والتوعوي لكل الممارسات والتوجهات التي من شأنها إعادة وتكرار الغبن اللاحق والاستغباء التاريخي على الشعب الكوردي وتعميق الشعور القومي لديه, وذلك من خلال السبل الثقافية كإقامة الندوات أو أي سبل ثقافية ميدانية علاوة عن الكتابة في منافذها, كما أعتقد أن السبل باتت متاحة وإلى حد ما, كمكاتب وقاعات الأحزاب المنتشرة وغيرها, وكما هو الحال على النافذ السياسي سلك أسلوب وبلورة احترام الثقافة والمثقف والذي هو بالنتيجة جزء منها, ومشاركته وليس بإبعاده وكما هو الانطباع الساري وفي كل الأمور والقضايا لكي تخلو الساسة والسياسة بذاتهم ولا يعكر صفوهم أحد, والأمثلة على ذلك كثيرة وأقربها أبان قيام المجلس الكوردي المنصرم؟, علينا جميعاً المساهمة الفاعلة من أجل قيام مجتمع سليم وبكل هيأته وفعالياته وكل من جهته والتي ولا شك, تنعكس بدورها لصالح المشترك العام والجميع, ليس بالوسع هنا سوى أللطافة في مناداة الكاتب والمثقف الكوردي وفي التفاتٍ وجدانيٍ له بأكثر جدية نجو اليقينيات والحتميات الداخلة في الشعور القومي وتوطيدها من خلال مختلف السبل الثقافية المتاحة وعبر كافة المناهل والأشكال والألوان وشمائل الثقافة وما يختص لدى كل كاتب ومثقف كوردي, مع المودة لكل من سار السياق على نظره وسمعه.

أما وبالانطلاق من ماهية القومية وأرضية الفكر القومي, ومن خلال بعض الرؤى ومشاهدات الاغتراب الفكري في نحو القومية و نعتها بالرجعية إذا جاز التعبير, وبدعاوي مختلفة منها إيديولوجية وسواء أكانت وضعية أو روحية وأخرى بدعاوي الحداثة والعصرنة والحضارة الإنسانية وقصر المسافات والعولمة وأيضاً لسان حال اللاوعي وإلى ما هنالك.

فيمكننا أن نجيز على أن مفهوم القومية و اصطلاحه أو الفكر القومي في العالم بأسره, ليس ببدعة عقائدية سياسية أو جهوية, وإن كان ينظمها أو يسخرها حالات ورؤى فكرية وسياسية شتى وعلى اختلافاتها, بل بقدر ما هي حالة حسية وشعورية تمتلك المرء منذ نعومة أظافره مروراً في رعيان مسيرة حياته, حيث يمتلك المرء الشعور بالانتماء للذات القومية من محيطه الأسري وتفاعلاته الاجتماعية ومن بيئته الايكولوجية عموماً, وبالتالي تعد القومية حالة يقينية وحتمية بالنسبة للإنسان ذاك الكائن المدرك والمتفاعل مع مجمل تفاصيل بيئته الايكولوجية, فبالنظر إلى نشأة البشري أو الإنسان وكغيره من المخلوقات الكثيرة في الطبيعة الواسعة, يميل الإنسان بالفطرة في نحو الجماعة, وتعد هذه حالة حسية وسيكولوجية للإنسان بدافع غريزي, وعلى أثرها ولكون الإنسان كائناً حسياً ومدركاً وبالإضافة للتفاعل الاجتماعي والبيئة الجغرافية, تشكلت الجماعات البشرية والأعراق والقوميات وما في نحو ذلك طبيعياً, ويلي ذلك كله قوالب النظم الفكرية والنظريات في نحو القومية, بالتالي أن القومية ذو نشأة غريزية ومكتسبة وتعد حتمية ويقينية لا يمكن التغاضي عنها أو نكرانها بالنسبة للإنسان ومن هنا أيضاً تبقى المفاهيم القومية حالة سامية ونبيلة تدرك ذاتها وتطبع طابعها الثقافي والحضاري الخاص بها, كما لا يكتنفها أية سمة رجعية إلا عند الاستعلاء بها على حساب الآخرين وإنكار ما يتبعها عليهم, حينها تصبح حالة قوموية مقيتة ورجعية لا تحترم التنوع والتمايز الإنساني النبيل الموجد بحكم الطبيعة والايكولوجيا.

أما بالنسبة للإيديولوجيات عموماً أو بعض الرؤى المشوهة فيها أو لأقطابها إذا جاز التعبير, أو مدى اقترابها من الفكر القومي أو نفي القوميات, وعلى ضوء أن القومية نتاج طبيعي وحقيقة حتمية ويقينية للإنسان, فأن الايدولوجيا وفي أبها صورها, تبقى فكراً ونظرة ورؤية أفقية, أي أنها ترسم بالنتيجة سقفاً ومهما كان المدى التطوري لهذا السقف, بالتالي هي تحد من الطموح الإنساني وسعيه المستمر في النحو التقدم والتفوق والتي تعد سمة طبيعية وفطرية بالنسبة للإنسان, وما دامت الأفقية الفكرية هذه لا تراعي مدى المناحي السيكولوجية للإنسان ويقينياته الحتمية والطبيعية, فحكماً هي تعد أفقية رجعية ولا سيما عند قطع كل مرحلة أو شوط تطوريٍ حضاريٍ إنساني, بالتالي فإن كانت هناك أقطاب أو رؤى لا تقارب المناحي القومية وكيقينية حتمية وطبيعية للإنسان, فهي التي تعد في منحاً رجعي, إلا أنه وبإسقاط اليقينية القومية على ضوء الفكر والعقائد الروحية, ففي الإسلام الآية القرآنية الكريمة تدلي لنا بالقول القاطع من وراء ما تعبر, (( وجعلناكم شعوب وقبائل لتعارفوا..)), فليس ثمة نفي للقوميات بقدر ما هو تأكيد في نحوها وبالتالي ما يترتب عليها أو وفقها من إقرار وما يتبعها من أخلاقيات إنسانية في نحوها, حيث منها ما يتجلى في حق تقرير الشعوب لمصيرها.

أما وبالانتقال إلى دعاة الحداثة وعصر العولمة وما في نحو ذلك, وككلمة حق نتجت باطلاً في ظل الاغتراب الفكري عن القومية والشعور القومي, فيمكننا تحديد المفاهيم الحداثوية بالمفاهيم الفكرية الليبرتارية لكونها تعد الفكر أو الأرضية للحداثة, ومن حيث الفكر والنظم والملموسات المادية والحضارية إجمالاً, بالتالي تستند الحداثة هذه ورقي الفكري الإنساني هذا, على منبعها الطبيعي, ألا وهو حق الحرية والاختيار الواهب من الحياة للجميع دون وصاية أحد على أحد, كما تنظم هذه الحرية بالانطلاق من الحق المشترك للجميع في الطبيعة والحياة, وبما أن الليبرتارية هي فكر الحرية ومبعثها وتضاد أو لا تتماها مع الأفقية الفكرية وأشكالها, ولكون العولمة من صلب اشتقاقاتها وبكل تبعاتها كالقرية الكونية والقيام بالحضارة الإنسانية..الخ, فلا تعني الحداثة أو العولمة هنا بالمطلق القضاء على خصوصية المجتمعات أو تمايزها القومي والثقافي بقدر ما تعني خلق بيئة تفاهم إنساني راقيٍ وتبادلٍ للثقافات والخبرات وما نحوها, حيث تصب في النهاية لخير الإنسانية وسموها على حد سواء, بالنتيجة لن تنتقل القرية الكونية الافتراضية هذه ولن تقتصر المسافات إلى حيز الوجود الفعلي والحقيقي بكل ما تعني من تسهيلات خدمة للإنسان وسمو أكثر له, إلا من خلال رسوخ مبدأ الاحترام المتبادل بين مجمل التمايز الإنساني وتقدير المصالح من دون أن تكون على حساب أحد, خلاصة القول إذا كنت كما أنت لن يستطيع أحد تغيرك, كما ليس بوسع أحد أن يحد من الطموح الإنساني وسعيه المستمر لنحو التفوق, والتي تعد يقينية حتمية وسمة فطرية, ومن هنا وبالرغم من علامة فنتازيا أو ربما لما أوجزناه, إلا أنه أو بمقاربة للسياق يطفو على السطح أحياناً داخل مجتمعنا, حيث الجواب وبالقطعية, لا تداخل بين القومية والفكر القومي وكل ما هو من خصوصيات مع العولمة, بقدر ما تنتج العولمة وتساهم في القضاء على الاستعلاء والقوموية وبناء المشترك الإنساني وسموه.

أما من ناحية أخرى وفي ماهية بنية الفكر القومي الكوردي ومرتكزاته, حيث أن الركيزة الأساسية والبنيوية للفكر القومي الكوردي, يتمثل بمصطلح الكورديايتي وما يشمل من مفاهيم نابعة من البيئة الطبيعية والايكولوجية الكوردية, وكنوع من التفكيك في ذلك وللقيام بفهم أفضل ومن خلال الانطلاق من ماهية مصطلح الكورديايتي فتباعاً, حيث من الناحية الاسمية للكورديايتي والتي هي كلمة مركبة من كلمة (كورد) الدالة على الشعب الكوردي أو القوم أو الأمة الكوردية, أما لاحقة (يايتي أو يتي) المضافة, فهي حالة تحويل المقصود به إلى مصطلح والمصطلح بطبيعة الحال يشمل مجموعة من المفاهيم المحيطة بذاك الشيء المقصود به, واللاحقة هذه هي حالة سجية لغوية عند الشعب الكوردي واستخدمت منذ القديم وإلى اليوم,  وكمثال على ذلك (إيزدي ـ  إيزديايتي) أي الايزيدية وما تشمل من رؤى ومفاهيم وطقوس وأعمال.., وأيضاً القرية أو حياة القرى ـ القرويون أو القروية (كوندي ـ كونديايتي), فيقصد بذلك كل ما يشمل حياة القرى والقرويين, من أعمال وطبائع وعادات وصفات الإنسان القروي.., بالتالي الكورديايتي هو مصطلح يشمل مجموعة من المفاهيم القومية والإنسانية, تستند بذاتها على طابع حسي وشعوري وقيم أخلاقية ذو طابع حضاري, حيث يستلهم منها الشعب الكوردي الإخاء الذاتي والكوردستاني وكافة قيمه القومية والإنسانية حيال مجمل قضياه اليومية والمصيرية, كما لم يلحظ أو يلمس أية عملية قولبة أو تصندق أو قوموية للمفهوم القومي الكوردي هذا وعلى مر مراحله التاريخية, بقدر ما يوطد ويؤكد على معاني الإخاء بين أبناء الشعب الكوردي وكل المتعايشين من أبناء البقعة الجغرافية الكوردستانية والتعاون والتعاضد والتضامن فيما بينهم ورفع قيم الخل والخدن والإخاء الإنساني.

أما وبالتالي ومن ناحية مقومات الكورديايتي ورسوخها في الوعي الجمعي للشعب والمجتمع الكوردستاني وكثقافة تاريخية موروثة, فمن أبرز ما نتلمسه داخل المجتمع الكوردي من رسوخ لمبدأ ومفهوم الكورديايتي وكسجية مجتمعية ممارسة وعلى نسبيتها, تتلخص في معاني الحب والود والإخاء فيما بين كافة أفراد الشعب الكوردي بكافة أديانه وطوائفه ومذاهبه وعشائره وأحزابه السياسية, على اعتبار مضمنات جسد الأمة الكوردية ذات التاريخ واللغة المشتركة, ورفع وتمتين الأواصر والروابط القومية ونبذ الحقد والتفرقة والاستعلاء الذاتي البيني والإنساني, واحترام مختلف الأقليات القومية والعقائدية المتعايشة داخل المجتمع الكوردستاني ككل, والتعاون والتضامن فيما بينها واحترام الحقوق والعيش المشترك والإخوة التاريخية وتعميقها, فالكورديايتي كمفهوم ومصطلح , أحياها وأرسى دعائمها البرزاني الخالد أبان ثورة أيلول المجيدة نحو عام 1961م, للدلالة وتعميق معاني الحب والإخاء والتضامن بين كافة أبناء المجتمع الكوردستاني, ولم تكن يوماً وبكل ما تشمل من تضمينات مجرد مفاهيم وقوالب جامدة, بقدر ما هي روح حياة وفعل لثقافة متداولة ومستمدة المقومات من الموروث الثقافي الجمعي والحي داخل المجتمع الكوردستاني, مما أدى إلى التمسك وتعميق واحتضان وصيرورة المصطلح في الوعي الجمعي, فالكورديايتي  ثقافة إنسانية وحس قومي بخصوصيته الكوردية , ولم ينقطع روحه عبر فترات التاريخ الكوردي , بل واصل التجديد في أنماط وأشكال الوعي القومي والاجتماعي الإنساني وواكب جميع مراحل التاريخ قديماً وحديثاً, فمن هذا السياق ومنذ القدم التاريخي الغابر للثقافة الجمعية الموروثة وإلى اليوم, استخدم الكورد مصطلح كريف ( kirîv ) فيما بين ذاتيتهم وذاتية المجتمع الكوردستاني ككل, وهو مصطلح حسي وشعوري يحمل في طياته مجمل تفاصيل وصفات مفهوم أو مصطلح الكورديايتي, كما يحتوي على دلالات عالية في المحبة والإخوة الإنسانية وإخوة الآخرة بالمعنى الروحي للكلمة ويتضمن أيضاً صلة القربى ويقابله في اللغة العربية ( خليل ـ الخل ـ الوفي ـ الحبيب ـ الخدن  ) أي الإخلاص والمحبة والوفاء والرفيق وعلى وتر الخليل ( سيدنا إبراهيم الخليل ).., وهذا المصطلح كان وما زال متداولاً داخل المجتمع, للدلالة على الأخوة والترابط المجتمعي الكوردستاني, فمن أحد أبرز ممارسات ومعالم توثيق صلة القربى الاجتماعية داخل المجتمع الكوردستاني لوفق ما ينتج من مبدأ ومصطلح (كريف), فعند ختان الأطفال غالباً ما كان الكوردي يحرص أن يكون كريفه من طائفة أو ديانة أخرى, كالايزيدية الكورد أو المسيحية والعكس بالعكس, ومن مختلف الانتماءات الطائفية والقومية المتعايشة كالإخوة الآشوريين والسريان والأرمن وباقي أبناء موزاييك المجتمع الكوردستاني ,حيث يوضع الطفل في حضن كريفه ويبدأ عملية الختان, ويتخلل ذلك الاحتفال ومشاعر المحبة والفرح والزغاريد, وبالتالي توثق صلة القربى بين العائلتين وهلم جرى, وكنهاية لهذا السياق أحب أن أنوه وبتكرار, ألا وهو أن الكورد يتميزون  بصيرورة الأمة والعراقة التاريخية والحس الإنساني النبيل, فإن مفهوم الكورديايتي ومن موقعه الايكولوجي والجيوسياسي, يتجسد فيه المفاهيم القومية والهوية والخصوصية الكوردية والإخاء الكوردي والكوردستاني والإنساني, وهو ليس نتاج نظرية قومية سياسية وحسب, بل هو امتداد لعصور غابرة وثقافة روحية وإنسانية موروثة, و نتاج طبيعي عاطفي وفطري وإنساني تزامن وترسخ في الوعي الشعبي للأمة الكوردية منذ فجر تاريخها الموغل في القدم.

أخيراً فأن التساؤل الأهم يقع على عاتق الحركة السياسية الكوردية برمتها وبكل تجاذباتها واختلافاتها, على اعتبار أن أية حركة سياسية في أي مجتمع كان, هي الجهة التي ترسم الصياغات الملائمة لمجتمعاتها, وتنطلق بذلك من مختلف ظروفها وتوازناتها الذاتية والتوازنات المحيطة بها, حيث تقوم بعملية التعبئة بخطابها الذي يجب أن يكون متوافقاً مع ممارساتها وظروفها ووزنها على الأرض, لا أن ينهار خطابها السياسي عند أدنى منعطف أو منعطفات يمر بها, فتاريخ الحركة السياسية الكوردستانية حافل بتلك الخطابات المتهورة أو العاطفية إذا جاز التعبير, بالتالي تبقى الحركة السياسية هي الجهة المسئولة اتجاه النجاح أو الفشل في خطابها وتطلعات شعبها, وهذا لا يعني بالمطلق أية نظرة تواترية في منحى حق تقرير المصير واللامركزية السياسية وبالتالي الفدرالية المنشودة, بقدر ما يراد منها ترجمة الخطاب وأن تكون حازمة وأكثر جدية, وهذا ما يحسسنا به أبرز أقطاب الحركة السياسية الكوردية الفاعلة في كوردستان سوريا ومن خلال رغبة وتطلعات الشعب الكوردي للفدرالية المنشودة, كحق مشروع بات أوانه وكخطاب شعب في نحو الحرية والإعتاق, وكسمة وسطية ومرضية وعصرية مثلى في العالم بأسره اتجاه الدول المتعددة لتكويناتها المجتمعية وعلى اعتبار كونها تحقق المساواة الفعلية والحقيقية بين تكوينات الدولة الاتحادية, لكن وبشيء من الأسف الجماهيري الكوردي, وبموازاة ذلك على كوردولوجيا كوردستان سوريا, كيف تقيم الحركة السياسية الكوردية وعلى عموميتها مفاهيم الكورديايتي, من خلال ما يتراءى من إسقاطاتها على الصعيد العملي والممارسات والتعبئة الشاذة البعيدة عن الشعور القومي السليم, بقدر ما تدل على جر حزبيايتي  للأمور والمسائل في نحوها, ناهيك عن الكم الهائل من الاختلاف وما إلى الردود والتصادمات وغيرها, بالتالي ما أشبه اليوم بالتاريخ كوردياً, فهل نكرر ونكرس التهميش والغبن والاضطهاد لشعبنا عن سابق إصرار وترصد, أم أن ثمة إعادة نظر يلوح في الأفق, مادام اليقين هو أن كوردستان لا يمكن لها أن تكون بالمطلق, أوجلانستان أو برزانستان أو يكيتيستان أو غيرهم, مع كل التقدير والاحترام لعظمائنا الكورد إجمالاً منارات درب شعبنا وحاملي همه القومي.

إدريس بيران ‏2012‏-11‏-13

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s