معرض

الى متى بكون حطب نيران الأشقاء؟!‎


هوشنك أوسي

هوشنك أوسي

هوشنك أوسي

 

الكرد عموماً، والكرد السوريون على وجه الخصوص، هم الأمهر والأبرع في صناعة كوارثهم. باستطاعتهم خوض حرب طاحنة على امرأة او شبر من الارض او بقرة او دجاجة. لذا، الكرد السوريون، ليسوا بحاجة الى مؤامرات ودسائس العدو المتربّص بهم!. بعيوبتهم وبيتهم المهلهل، يجعلون رياح الغرباء تسوح في مضاربهم. كنّا نظنّ ان الكرد، هو المكوّن السوري الاكثر تنظيماً والاكثر وعياً والاكثر تسييساً، والاكثر براعة في اقتناص الفرص. واتضح اننا كنّا نستلقي على حرير الأوهام ومخمل الكلام. الكرد السوريون، مسكونون بسيكولوجيّة المريد – التابع، الذي يجد نفسه دوماً فاقد الاهليّة لاتخاذ قراره بنفسه. وواقع وقائع غرب كردستان، خير دليل على ذلك. الكرد السوريون، كانوا ولا زالوا، واخشى ان يبقوا؛ حطب مشاريع ومخططات ومصالح اخوانهم في الاجزاء الاخرى من كردستان. يتجه الكردي السوري للحوار مع شقيقه الكردي السوري، وتحت لسانيهما أطنان من كلام التخوين. العقل الكردي السوري، مكتبة هائلة وساشعة، كل الكتب الموجودة فيه هي قواميس التخوين. لا يعرف الكردي السوري النظر الى شقيقه، المختلف معه في الرأي والموقف، ببراءة. الكرديّ للكرديّ، دوماً مشروع عدو، وليس اخ وصديق او أقلّه شريك. هكذا علمّتنا الاحزاب الآيديولوجيّة الشموليّة، اليساريّة والقبليّة الماقبل قوميّة والمابعد قوميّة!.

يحذّر بعض (الحريصين على علمانيّة غربي كردستان) من تغلغل الاسلام السياسي في المناطق الكرديّة السوريّة. وهذا كلام سليم وصحيح وممتاز. لكن الاسلام السياسي والسلفيّة والجهاديّة وبل القاعدة، تتاكثر كالفطر بين كرد تركيا. ولم ينجح هؤلاء، خلال ثلاثين سنة من النضال والكفاح المسلح والتوعية والاعلام والتثقيف…، ابعاد شبح الاسلام السياسي عن كرد تركيا!. الى درجة ان بعض الاسلاميين الكرد، صاروا ضمن الكتلة الكرديّة في البرلمان التركي، البرلماني آلتان تان، نموذجاً!.

البعض، يتفاوض سرّاً وعلناً من الاسلاميين الاتراك، ويدفع الكرد السوريين الى المواجهة مع الاسلاميين العرب، بحجّة ان الأخيرين هم عملاء الاتراك!؟. ولكن، فليسقط الاسلام السياسي والجهادي والسلفي… والكرافي والزقنبوتي… في كل مكان!.

 

ما حدث في مدينة سريه كانيه، لا يمكن فصله عن طلب تركيا نصب صواريخ باتريوت على طول الحدود التركيّة – السوريّة. المشهد يتجه نحو التصعيد العسكري. ويبدو ان الاتراك كانوا يعرفون ان حركة النزوح من المناطق الكرديّة باتجاه تركيا، ستكون اكبر من التي شهدتها محافظتي ادلب وحلب نحو تركيا. وبالتالي، ستكون مبررات أنقرة والناتو أقوى، لتشكيل منطقة آمنة أو عازلة، تشبه التي شكّلها الغرب، شمال خط العرض 36 غداة حرب الخليج الثانية التي أدّت الى هجرة مليونيّة كرديّة عراقيّة باتجاه حدود تركيا وايران وسورية. تلك المنطقة، و”قوات المطرقة” التي كانت تتمركز في قاعدة إنجيرليك الامريكيّة في أضنا، تلك المنطقة، هي المدماك او اللبنة الاساسيّة والمركزيّة لما تشهده كردستان العراق الآن من نظام فيدرالي. يعني، من المحتمل ان تكون الاحداث في منطقة سريه كانيه، (كونها نقطة المنتصف في المناطق الكرديّة بين عفرين وكوباني من جهة، ومناطق الجزيرة من جهة أخرى، وثم الامتداد شرقاً حتّى الحدود العراقيّة) من المحتمل ان تكون مخططاً أو فخّاً للنظام السوري، كي يقصف المدن الكرديّة ويتسبب بالنزوح المليوني، ما سيجبر العالم نحو التدخّل الدولي في سورية، بشكل عسكري ومباشر، عبر تشكيل المنطقة العازلة او الآمنة أوّلاً. لكن، يبدو ان النظام، تدارك الامر، وانسحب من المناطق الكرديّة، وسلّمها فعليّاً وعلى الملأ لحزب الاتحاد الديمقراطي، ويكون بذلك، قد وضع هذا الحزب الكردي، ومن خلفه العمال الكردستاني وكل القاعدة الجماهيريّة الموالية له، في مواجهة الجيش الحرّ من جهة، والتعبيرات السياسيّة الكرديّة السوريّة المتحفّظة او المناوئة لأداء الاتحاد الديمقراطي من جهة أخرى. وهذا ما يظهر تباعاً، عبر تلبيس البعض من كوادر العمال الكردستاني السابقين من الكرد السوريين، العنف الذي يمارسه الاتحاد الديمقراطي ضدّ مناوئه او المختلفين معه، لبوس “العنف الثوري”. وهذا بدوره، أقّل ما يقال فيه؛ إنه شرعنة لممارسة العنف ضدّ (اشقائه) الكرد السوريين!. في حين ان افشال المشاريع والمخططات التركيّة في سورية، لا يمرّ من خلال استهداف الكرد السوريين المختلفين مع الاتحاد الديمقراطي. ويبدو ان كل من يقول: “الله محيي الجيش الحرّ” صار عقابه الاعدام، على شاكلة القانون 49 الذي كان يحكم بالاعدام على كل من يشتبه بانتسابه للاخوان المسلمين!. وبالتأكيد، ان هنالك الكثيريين ممن لا يحبّون الجيش الحرّ، وبل ينتقدونه بشدّة. وإذا قالوا: الله محيي الجيش الحرّ، فهو ليس حبّاً فيه، بقدر ما هو تعبير عن الغضب والسخط والنقمة على اداء حزب الاتحاد الديمقراطي!. وأخشى مما أخشاه، ان المضي اكثر في هذا الاداء، سيجعل الكرد يستنجدون بـ”الشيطان الرجيم” للخلاص من قمع وظلم ذوي القربى. وحزب العمال الكردستاني ورديفه السوري، هما اكثر من يعلم ذلك. فممارسات الحزب في تركيا، اجبرت الكثير من العشائر الكرديّة التي كانت موالية للكردستاني، على الاستنجاد بالجيش التركي، وحمل سلاحه والتحوّل الى مرتزقة، ضدّ الكردستاني، منتصف ونهاية الثمانينات. وسبق ان حذّرت من ذلك، منذ أشهر خلت، ولكن، لا حياة لمن تنادي.

 بتقديري، غزو سريه كانيه من الحدود التركيّة، هو قرار دولي، كان قد اتُخِذ، وبدأ طريقه نحو التنفيذ، بعيد فوز باراك اوباما بولاية ثانية. ذلك أن الولاية الثانيّة لأوباما لن تكون نسخة طبق الاصل عن الولاية الأولى، لجهة التعاطي المرن والمهادن مع النظام السوري والايراني. الولاية الثانية للديمقراطيين في البيت الأبيض، ستحسم مصير بشار الأسد، وبعده مصير نظام الملالي في طهران، عبر اطلاق يد تل ابيب في حسم الملف النووي الايراني عسكريّاً.

بالتأكيد، الكرد السوريون، بوزنهم وموقعهم الاستراتيجي، هم بيضة القبّان في حسم مصير نظام الاسد. وروسيا والصين وايران، تعي ذلك تماماً. لذا، تسعى هذه الدول الى الامساك بالملف الكردي السوري، سواء عبر جلال طالباني، او حزب العمال الكردستاني. وقد يقول قائل: ولماذا لا يواصل الكرد سياسة النأي عن النفس؟ ذلك انها اثبتت نجاعتها ونجاحها خلال الفترة الماضية؟. ويكفي القول هنا: ان هذه السياسة، ما عادت تنفع. ومكاسب الكرد منها، اقتصرت على عدم جعل مناطقهم عرضة للقصف الجوي والمدفعي السوري. ولا يمكن بأي حال من الاحوال، الجزم؛ ان المناطق الكرديّة كانت آمنة مئة بالمئة!. فعمليات الخطف والاغتيال والتهديد والضرب والتخوين والتشبيح كانت وما زالت على قدم وساق، بنسب متفاوتة بين منطقة وأخرى. لقد سعى البعض الى تدجين وتحييد وتقويض الحراك الثوري الكردي وافراغه من محتواه بالاكراه والغصب والترهيب. ولكن، استفاق الكرد على فراغ، قام السلفيون والاصوليون بملئه، مع شديد الاسف.

من جهة اخرى، مَن يطالب بالاستقلال او الفيدراليّة او الحكم الذاتي او الادارة الذاتيّة الديمقراطيّة، في المناطق الكرديّة السوريّة، وإقرارها دستوريّاً في سورية مابعد الاسد، عليه ان يدرك ان ذلك لن يكون ببلاش، ودون اكلاف وأثمان. وكلما كان الكرد متحدين، وبعيدين عن الذهنيّة الحزبويّة، ومنطق الهيمنة والتخوين…، ستكون أكلاف الحقوق الكرديّة أقلّ، والمكاسب أكثر. هذه القاعدة او المقولة، يكررها الساسة الكرد، صباحاً مساءاً، قياماً وقعوداً، ولكن، يمارسون نقيض ذلك.

المناطق الكرديّة السوريّة مقبلة على مخاطر وتحديّات كبرى، الحركة السياسيّة الكرديّة، غير مهيّئة وغير مستعدّة لها، وهذا لا يبرر التغنّي بانجازات حزب الاتحاد الديمقراطي والاذعان لممارساته اللامسؤولة، واطلاقه الرصاص الحيّ على المتظاهرين العزّل بكوباني، تماماً كما فعل الجيش الحرّ في حيّ الاشرفيّة. وهنا، لا اعرف اين سيطمر مثقفو واعلاميو الاتحاد الديمقراطي رأسهم الآن امام دم ولات حسي المراق في كوباني، برصاص دفع الكرد السوريون ثمنه؟. اين أولئك الذين كانوا يطالبون الكرد بشجب الجيش الحرّ، على (قتله) لنوجين ديريك، وظهر ان ذلك كان محض كذب؟. اين سيطمر اولئك رؤوسهم، وهم يرون ان تلال عيوب حزبهم غدت تعانق السحبا!؟.

 

ربما تفرز هذه المرحلة، قادة جدد، تتجاوز قاماتهم أقزام المجلس الوطني الكردي في سورية وعملاقة حزب الاتحاد الديمقراطي!. قادة، قادرين على إدارة الدفّة نحو الحقوق الكرديّة بأقلّ الأكلاف.

 

المناطق الكرديّة، صارت في عين وقلب الحدث الملتهب. والمؤسف ان ((الغرباء)) كانوا وراء جعل هذه المناطق ضمن دائرة الحرب، وليس الكرد. ولا اريد ان يُفهم من هذا الكلام، الدعوة للحرب واستعذاب ويلاتها واستجرار كوارثها لمناطقنا. لا قطعاً. ولكن، قضى الكرد سنتين وهم يخافون ان تدّق الحرب أبوابهم، والحرب بين ظهرانيهم!. لكأنّهم كانوا يعيشون في بلد على شواطئ الكاريبي!، ويخشون ان تطالهم رياح حروب الشرق الاوسط!؟. مخاوف الكرد السوريين من اهوال الحرب، بالتأكيد مشروعة. ولكن، لم يتحسّبوا لها وكيف سيخوضون الحرب المفروضة عليهم؟ وضدّ من؟ وكيف سيخرجون منها منتصرين بأقلّ الخسائر، واكبر المكاسب. لقد قضى الكرد السوريون اوقاتهم في التحذير من مخاطر الحرب واهوالها، وضرورة إبقاء المناطق الكرديّة خارج دائرة الحرب، ولكن، جاء من دفع بهم دفعاً الى داخل أتون المعركة الحربيّة. ومن الضروري والضروري والضروري التأكيد على انه لا مناص امام الكرد في ان يتوحّدوا. وان لم توحّدهم الحرب، المفروضة عليهم بحكم ظروف البلاد والثورة على نظام الاسد، والقرار الدولي – الاقليمي، فمن المؤسف القول: إن الكرد، هم شعب الفرص الضائعة. شعب، لا يجيد قراءة التحوّلات الاقليميّة والدوليّة. وان الرؤى الدوغمائيّة –الحزبويّة والآيديولوجيّة الجد ضيّقة، اطاحت بفرص تاريخيّة، كان بالامكان الاستفادة منها ومن هذه اللحظات الفارقة والحاسمة من تاريخ المنطقة. يجب ان يكون الكرد ضالعين في صنع مستقبل سورية والمنطقة، ورسم خرائطها، حتّى لو أجبرهم ذلك على خوض الحرب، وهي كرهٌ لهم. ولكن، ليس بالقعود والتواري خلف البيانات والكلام عن الغرباء واهوال الحرب واخونة الثورة السوريّة، بل بالاسهام الفعّال في عمليّة اعادة الثورة الى جوهرها ومسارها واخلاقها وقيمها واهدافها في الدولة الوطنيّة الديمقراطيّة المدنيّة…، وليس دولة برابرة الجهاديين والسلفيين، التي نساهم نحن في ولادتها، عبر تقاعسنا وخلافاتنا وحروبنا البينيّة التافهة والمقززة والمخزية.

اعتقد انه من لم يشارك في حرب تحرير سورية، كيف له الحديث عن حصّته في الغنائم!؟.

في حروب التحرير الوطني، لا يسأل المشاركون في جبهة واحدة عن هويّات واجندات بعضهم البعض، بل يسألون عن العدو المشترك، والمستقبل المشترك، والمصير المشترك، والخطط المشتركة ضدّ العدو المشترك.

لا خيار أمام الكرد إلاّ ان يكونوا مع الثورة واسقاط النظام مليون بالمئة، وان يكونوا على قلب رجل واحد. عليهم ألاّ يجعلوا خصوم واعداء الكرد ان يتسرّبوا من بين عيوب وقبائح وتراخي وثغرات الاداء السياسي الكردي. عليهم طيّ صفحات التشرذم والنفاق والكيل بالاوهام، وترك ذهنية التخوين والتسلّط ومنطق الهيمنة في التعاطي مع بعضهم البعض.

سلاح الكرد، وحدتهم. وسلاح أعداءنا هو تشرذمنا وتطاحننا على “ملكٍ لا يٌرى” حسب تعبير سليم بركات.

في مطلق الاحوال، كان على الكرد تحرير سريه كانيه، وباقي المدن بأنفسهم ومتّحدين، لا ان يتركوا هذه المهمّة، لكتائب”غرباء” الشام!. من المؤسف القول: إن الكرد الآن لا زالوا يقضون باقي الوقت في تعداد فظائع وقبائح هذه الكتائب، ومخاطرها الآنية والمستقبليّة على المناطق الكرديّة.

اعتقد ان الحرب على نظام الأسد، بدأت الآن. وفي التصريح الاخير للأسد، بأنه سيعيش وسيموت في سورية، إنذار بان الحرب الاقليميّة والدوليّة على نظامه ستبدأ حقّاً. وعلى الكرد ألاّ يكونوا على مقاعد المتفرّجين أو ان يندبوا حظّهم أو يعيدوا ويزيدوا من مخاطر الاسلمة والعثمنة والامركة… وان يزيدوا من رصف قواميس الكلام البائد في مكاتبهم. او النهل من قواميس الكلام البائد اثناء تدبيج بياناتهم الشاجبة والمنددة والمستنكرة والمُدينة…، والانتقام من بعضهم البعض، بل الكفّ عن صناعة أو طهي كوارث قد تطيح بالآمال والطموحات الكرديّة لنصف قرن آخر.

 

كاتب كردي سوري

Shengo76@hotmail.com

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s