معرض

مشروع لاجئ


                               

قصة قصيرة

بقلم: فرمز حسين

 

السكينة التي خيمت على المكان كانت مهيبة, ثقيلة لدرجة كتم الأنفاس . لعنت الساعة التي قدمت فيها إلى هذه المدينة الموبوءة بالشؤم. لمت الأقدار التي ساقتني الى هنا كحمل طريد من الذئاب , لكن تبقى الدوافع وراء هذا المسلك والتي تنطبق عليها مقولة الغاية تبرر الوسيلة هي التي تواسيني . البحث عن رقعة على سطح هذه البسيطة حيث فيها يستطيع المرء ممارسة حياته اليومية كانسان ليس الا هذا كل ما في الأمر , مع الحفاظ على حلم العودة.

حزمت أمتعتي القليلة في حقيبتي الصغيرة وخرجت إلى فناء الفندق القديم , قابلت السيدة القميئة التي تدير المكان وأبلغتها بأنني راحل وبإمكانها الاحتفاظ بالسلفة النقدية التي دفعتها مؤخرا , لم يكن ذلك كرما مني ولكن ليقيني بأنني لن أستطيع استرجاع مليم واحد.

 

خرجت أمشي بخطى ثقيلة هائما على وجهي في طرقات تلك المدينة الساحلية  أجر أذيال خيبتي وتعاستي لساعات طويلة حتى بدأت أشعر بالإرهاق , مجرد التفكير بالوجهة التالية التي يجب أن أسير إليها  كان يزعجني لذلك لم أتوقف عن السير ولا حتى لالتقاط الأنفاس رغم الإعياء الشديد. وجوه رفاقي الذين ركبوا عباب البحر لا تفارقني. التوقف لوهلة قصيرة  يجعلني أرتبك , أتابع المسير من جديد دون الالتفات يمنة أو يسرة.

 

ملاصقا للرصيف الأيمن أمشي في الشارع العريض المؤدي إلى مركز المدينة متجنبا المارة متحاشيا فضولهم العجيب وهم ينظرون إليّ! أحس بعيونهم الجاحظة  تبقر ثقوبا في جسمي! يا الهي ما الذي جرى للبشر؟ لماذا الجميع ينظر إلي هكذا؟ كأنني مخلوق غريب من كوكب آخر لم يشاهدوا قط مثيلا له في حياتهم! عجيب أمر هؤلاء الناس لا يدعون أحدا وشأنه!

الجميع على دراية بحالي , يتساءلون في قرارة أنفسهم الى أين سيتجه  الآن ؟ لماذا لم يكن معهم ؟ هل سيجرؤ على المحاولة أم سيعود الى جحيم وطنه؟ أم ماذا سيفعل؟

فجأة انتابتني رغبة صاعقة بالصراخ حاولت السيطرة على أحاسيسي ,جلست القرفصاء متكورا على نفسي حاضنا حقيبتي الصغيرة بشدة الى صدري ,أجهشت ببكاء أقرب منه الى العويل!!!

في ذاك اليوم المليء ببوادر الشؤم  شعرت كأن النهار أقصر من أي وقت مضى, على الرغم من أن الخريف مازال في بداياته. ظلام ممزوج بضباب سديمي كثيف أطبق على المدينة التي بدت وكأن أنوارها الخافتة لم تعد كافية لإضاءة تلك العتمة التي ترافقت مع برودة قادمة من الشمال محمولة بهواء رطب زادت من احساسي بالوحدة ,البؤس ,الكآبة , التشرد . الامتناع عن التفكير بالمآسي لا يلغيها ! أجد نفسي في مركز المدينة! يا الهي ! انظر من هناك! ثلاثة من رفاق الدرب الذين كنت أظن بأنهم كانوا على متن ذلك الزورق المنحوس .  كالمصعوق تسمرت في مكاني من شدة الذهول أغمضت عينيّ وأحكمت اغلاق يدي وأنا أمسحهما ثم أفتحهما من جديد وأعيد الكرّة مرة أخرى لأزيح الغشاوة عنهما , أتأكد بأني في علم وليس في حلم!  احساس دافئ انتابني ,أزال الشعور بسقم الوحدة الذي كان قد هيمن على كياني قبيل رؤيتهم. فجأة شعرت بمعدتي الخاوية تؤلمني وإحساس بجوع قاتل , قلت :  أدعوكم بما تبقي لدي من المال لأقرب مطعم!  قبل أن نهمّ بالسير اقترب شرطيان من المكان , بادر أحدهم بالقول: اياقشملار,  كيملك , كيملك بنوع من التهذيب, ثم صاح الاخر  بنزق وعصبية باسابورت, باسابورت!!

 

ستوكهولم 2012-11-08

فرمز حسين

 مترجم وكاتب سوري مقيم في ستوكهولم

Farmaz_hussein@hotmail.com       

Stockholm-sham.blogspot.com          

Twitter@farmazhussein 

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s