معرض

صالح بوزان: عندما قرأت مذكرات أوصمان صبري، وحميد درويش ومحمد ملا أحمد، اكتشفت مدى غربتهم‎


وكالة دم/كوباني-أجرى الحوارخالد أحمد*
بداية أود أن أشكرك كل الشكر أستاذ صالح بوزان على هذه الفرصة التي أتحتها لي لإجراء هذا الحوار ، فأنا معجب بكتاباتك ولم تسنح الفرصة ليكون الحوار بيننا .
١- سأبدأ بالسؤال الذي يخامر كل مهتم ومتابع للشأن الثقافي ، لماذا هذا الطلاق بين القراء – الشباب- بشكل كبير في العقد الأخير ، هل نتهم التكنولوجيا ؟
– حسب ما فهمت من السؤال،تقصد سبب ابتعاد الشباب عن القراءة؟ إذا كان فهمي للسؤال صحيحاً، لا اعتقد أن السبب الرئيسي هو التكنولوجيا. بل بعكس ذلك، فالتكنولوجيا فتحت للشباب مصادر واسعة للتزود بالثقافة. هناك عدة عوامل دفعت الجيل الحالي للابتعاد نسبياً عن القراءة:
العامل الأول: وهو عامل رئيسي، يكمن في طبيعة النظام. خاصة منذ أن استلم حافظ الأسد السلطة. حيث  ألغي دور الثقافة في التغيير الاجتماعي والسياسي، وفي بناء الشخصية. لقد جاء دور الزعيم والقائد، دور الحاكم والرعية. خلقت هذه المرحلة نموذجاً من الثقافة هي الثقافة التبريرية.  وبالتالي قتلت الكلمة الحرة الفاعلة. وقد لعب جيلنا من المثقفين الحزبيين واللاحزبيين دوراً غير قليل في هذا المنحى.
العامل الثاني غياب الديمقراطية وحرية بناء الشخصية الثقافية المستقلة. كان جيلنا في بداياته يقرأ ما يريد. كانت الجامعات مراكز علمية وثقافية. أتذكر كنا في جامعة حلب ندرس الأدب العربي. شكلنا مجموعة ثقافية نتعاطى بكل حرية مع العلم والثقافة والسياسة. كنا نتمرد على بعض مدرسينا نتيجة عقلياتهم المتحجرة. كان من بيننا شخصيات أصبحت بارزة في الساحة السورية اليوم. مثل الروائي محمد أبو معتوق، الدكتور محي الدين اللاذقاني، الدكتور عبد الزاق عيد. كنت أنا وعبد الرزاق عيد شيوعيين وكان محمد أبو معتوق ومحي الدين اللاذقاني بعثيين. لكننا كنا منسجمين مع بعضنا على صعيد الثقافة. وحتى من الناحية السياسية كنا نختلف في الحوار، وبعد ذلك ننزل إلي المدينة لنأكل ونشرب ونقضي الليل معاً.
بينما الحياة الجامعية اليوم خاضعة لشكل من أشكال الإرهاب. لا يمكن التعامل مع بعثي اليوم كزميل. غالبيتهم يكتبون التقارير للأجهزة الأمنية، بل العديد منهم يقومون بدور رجل الأمن. وأساتذة الجامعة لا يختلفون عن الطلاب البعثيين كثيرا على هذا الصعيد. إلى جانب غياب حرية تشكيل مجموعات ثقافية. الجو العام في البلد مليء بالمحظورات. والشبيبة خاضعة لثقافة أحادية سطحية. تصور أنه في المدارس يضعون عناوين كبيرة للدروس والمحاضرات مثل “فكر حافظ الأسد” وكلنا يعرف أن لا علاقة لحافظ الأسد بالفكر. كل ذلك يفرض على الشاب الابتعاد عن الثقافة.
العامل الثالث، وهو عامل هام أيضاً. يكمن في الإمكانيات المادية. في مرحلة شبابنا، كان الكتاب رخيصاً، كانت المجلات رخيصة. كنت أشتري دواوين بدر شاكر السياب، عبد الوهاب البياتي، محمد الفيتوري  محمود درويش، أمل دنقل، أدونيس في السبعين من القرن الماضي بليرة ونصف، أو ليرتين. اليوم ترى أن قسماً من طلاب الجامعات يعملون في ورشات العمل إلى جانب الدراسة من أجل تأمين مصروف دراستهم. وقسم كبير منهم يعملون في الصيف. كان الصيف بالنسبة لي صيف التثقيف. منذ مرحلة الثانوي، كنت أجمع الكتب وأشتري خلال أيام الدراسة، وفي الصيف أذهب إلى القرية وأقرأ كل تلك الكتب.
العامل الرابع، هو أن الشباب يجدون اليوم الجو العام المهيمن على الثقافة والسياسة هو جو خادع. فالساسة يكذبون، والمثقفون يكذبون، والفنانون يكذبون، ورجال الدين يكذبون. وكل ما قالوا وما كتبوا عبارة عن صنعة لا علاقة لها بالإنسان وبالفعل الإنساني. ولعل النموذج الأكثر بروزا على هذا الصعيد وقوف اليسار السوري الماركسي( بكل أصنافه) وفنانين ورجالات دين مشهورين مع النظام ضد الثورة، والموقف المشين للشاعر الكبير أدونيس أكثر الأمثلة بروزاً. لقد وقف أدونيس مع المجرم ضد الضحية. وكذلك الشيخ حسون والدكتور محمد رمضان البوطي.
ما يميز شباب اليوم عن جيل الذي سبقهم هو أن الشباب يريدون أن تكون الكلمة مشروع عمل قبل كل شيء. ولسان حالهم يقول إذا كنت غير قادر أن تضحي من أجل ما تكتب فخير لك أن تصمت.
٢- هل حلت الشبكة العنكبوتية محل الكتاب التقليدي ، وهل ستكون ثمة عودة إلى شاطئ الكتب ؟
– أعتقد أن الشبكة العنكبوتية أزالت حواجز عديدة في العلاقات بين الشباب. فقد أزالت جدران الممنوعات. اخترقت الحواجز التي وضعها النظام لإبعاد الشباب عن بعضهم بعضاً. كما أزالت نسبياً الحواجز الاجتماعية الموروثة، تلك الحواجز التي بدورها حفرت خنادق شبه مقدسة بين الشباب. شباب اليوم يكتبون بأسماء مستعارة كل ما يريدون وفي مختلف المجالات، بما في ذلك في مجال المحرمات. ومع ذلك لا أعتقد أن الشبكة العنكبوتية ستقضي على الكتاب. قد يتبدل الكتاب الورقي  بالكتاب الالكتروني. لكن لا غنى عن الثقافة الأكاديمية. وهذه الثقافة موجودة في الكتب. لكي تصبح مثقفاً يجب أن تطلع على أمهات الكتب الفكرية العالمية، من الأساطير الأولى ولغاية الفكر الحداثي المعاصر . لكي تصبح شاعراً عليك قراءة شعر عظماء الشعراء، لكي تكون روائياً ناجحاً عليك قراءة نتاج عمالقة الروائيين العالميين. في جميع فروع الفكر البشري. هناك جذور لا غنى من الاطلاع الصبور عليها، وهي موجودة في الكتب، سواء في الكتب الورقية أم  الكتب الكترونية.  اعتقد أن تحول سوريا إلى بلد ديمقراطي، وحصول الشباب على حرية التفكير والاختيار، كل ذلك سيجعلهم يعودون إلى الكتاب بشراهة أكثر من جيلنا. الشيء الايجابي في هذا الجيل هو اهتمامه باللغات الأجنبية. فهذه اللغات تفتح له، عن طريق الشبكة العنكبوتية، عالماً لا يقل اتساعاً عن عالم أحلامه.
٣- ماذا تفضل، أن يكتب الأديب الكوردي باللغة الكوردية وتكون قراءة أعماله محصورة ، أم أن يكتب أفكاره باللغة العربية ويقرأها السواد الأعظم ؟. الأمثلة جان دوست كتب أعمال رائعة لكنها لم تقرأ أو سليم بركات الذي تنفذ طبعة كتبه من السوق مباشرة.
في البداية، لا أعتقد أنك توفقت بهذه المقاربة. جان دوست صديقي، بل أكثر من صديق. بينما سليم بركات لم ألتق به في حياتي. مع العلم قرأت معظم كتاباته من شعر ورواية. الفرق بينهما كبير. سليم بركات عملاق الشعر العربي من حيث اللغة والإبداع الفني. هو يملك أسلوباً فريداً في كتابة الشعر، ولديه طريقة خاصة لخلق الصور الشعرية. كما أنه روائي متمكن، احتفظ في هذا المجال أيضاً بلغته الجميلة. أعتقد أن هناك نقطة ضعف في نتاج سليم بركات الشعري، وهي افتقار شعره للخلفية الفكرية. في هذا الجانب يتفوق عليه العديد من الشعراء العرب، كالبياتي مثلاً. قلت كل هذا من أجل تبيان فكرة أساسية، وهي أن الفرق بين جان دوست وسليم بركات لا تكمن في اللغة فقط.
عودة للسؤال أرى أن المثقف الكردي موجود في واقع هو محكوم فيه بلغتين. فكما لا يمكن الاستغناء عن لغة الأم، لا يمكن الاستغناء عن لغة الدولة. أفضل أن يكتب المثقف الكردي السوري بهاتين اللغتين و بنفس السوية. وهذا ممكن. لأن العديد من كتاب في العالم يكتبون بأكثر من لغة. لا أعتقد أن ما يكتبه سليم بركات يدخل في مدار الثقافة واللغة الكرديتين. ففي المحصلة النص الذي يكتبه هو نص عربي وليس كردي. عندما نترجمه إلى اللغة الكردية، سوف لن يختلف كثيراً عن ترجمة بول إيلوار أو طاغور إلى اللغة الكردية.
لا أستطيع أن أصدر قراراً للشباب بأي لغة يجب أن يكتبوا. لكني أعتبر أحمد حسيني وجان دوست وحليم يوسف.. وغيرهم، ممن يكتبون بالغة الكردية، هم المؤسسون الحقيقيون للثقافة الكردية الحديثة في سوريا. وهم يلعبون دوراً أكبر من دور الأحزاب الكردية السورية في المحافظة على الهوية الكردية. نحن اليوم نبحث في تاريخنا الكردي القديم عن أي نص، ولو كان مجرد أسطر باللغة الكردية، لكي نخلق التواصل في الثقافة الكردية بين الماضي والحاضر. من هنا تأتي المكانة العظيمة لبابا طاهر وأحمد خاني وملا جزيري، وفقي طيران.. وغيرهم من كلاسيكيي الأدب الكردي. إن الجيل القادم سيعطي مكانة للمثقفين الذين يكتبون حالياً باللغة الكردية مكانة أعظم مما نحن نعطيهم اليوم.
٤- ما هي أزمة المسرح في الأدب الكوردي برأيك مع أنه من أقدم الفنون الأديبة وأكثرها تأثيرا ، ولا أعرف في الساحة الكوردية سوى مسرحية موسى عنتر Çima؟
في الحقيقة ليست لدي معطيات كثيرة حول المسرح الكردي في كل من كردستان العراق وإيران وتركيا. لكني أعتقد أن المسرح مرتبط بعدة عوامل. العامل الأول، لا بد من توفر الدولة أو ما يشبه الدولة، والثاني لا بد أن يتوفر في الكاتب بعد فكري. والثالث أن يميز الكاتب بين الأدب و متطلبات السياسة اليومية. هذه العوامل الثلاث لم تتوفر في المجتمع الكردي؛ لا القديم ولا الحديث بعد. حسب قراءتي لميثولوجيا الشرق  لم أقرأ أي نص أدبي، فكري، ميثالوجي عن الإمبراطورية الميدية. وفي عهد الإمارات الكردية، كان معظم الأمراء يستخدمون اللغة العربية أوالفارسية أوالتركية في بلاطهم. ربما كانت العائلة البدرخانية هي الوحيدة التي اعتنت باللغة الكردية والأدب الكردي في بلاطها. أما الباقون فكانوا أكراداً من حيث الحكم وغير أكراد من حيث اللغة والثقافة. لا توجد لدينا معلومات حول اهتمام صلاح الدين الأيوبي باللغة والثقافة الكرديتين. ولا أدري هل كان بالأصل يعرف اللغة الكردية أم لا. هذا من حيث التاريخ أما في العصر الحاضر، فلدينا في الأدب الكردي غزارة في الشعر فقط. حتى في الرواية تأخرنا كثيراً. والشعر الذي يكتب في سوريا باللغة الكردية اليوم غالبيته شعر رديء.  بالمناسبة هناك خطأ شائع بين الشباب الكرد(والعرب أيضاً) وكأن الشعر أسهل صنوف الأدب. بمجرد أن يتقن أحدهم الحروف اللاتينية، وشيئاً من قواعد اللغة، يبدأ بكتابة الشعر. لكي تكون شاعراً لا بد من توفر ثلاث عناصر معاً. العنصر الأول إتقان اللغة، وخاصة اللغة الأدبية، وذخيرة كبيرة من مفرداتها. العنصر الثاني ثقافة واسعة. والثالث موهبة شعرية مع الجهد المتواصل لتطويرها.
قرأت عن مسرحية موسى عنتر، لكنني لم أحصل على النص. المسرحية الكردية الوحيدة التي قرأتها هي مسرحية فلات دلكش “KULA DÊRSIMÊ”. الصادرة في تركيا.
نحن نعلم أن المسرحية تكتب لتمثل، أكثر مما لتقرأ. وفي سوريا وتركيا وإيران كانت إمكانية التمثيل غير متوفرة، ناهيك عن إمكانية الكتابة والنشر. العقلية الكردية في سوريا مازالت بعيدة عن النموذج المسرحي. على كل المسرح ضعيف في معظم البلدان المتخلفة. المسرح يحتاج إلى مجتمع مدني. حتى في عهد سوفوكليس كان المسرح موجود في المدن الكبرى، أي في العواصم حسب مصطلحاتنا اليوم.
عموماً الجو العام في كل أجزاء كردستان لم يساعد بعد على أن يفكر الأديب بالمسرح ويتخصص فيه. ومن كتب عبارة عن محاولات.
٥- الحزب الشيوعي معروف عنه في فترة قوته كان يفرض على أعضائه قراءة كتب – ماركسية – الأمر الذي أدى إلى تكوين فئة مثقفة ، برأيك لماذا لم تنجح الأحزاب الكوردية السورية في ذلك ؟
كان الرعيل الأول الذي أسس الأحزاب الكردية لا يمتلك الثقافة. فالمثقفون بينهم أقل من رؤوس أصابع يد واحدة. من ناحية ثانية. لم يأت هذا الرعيل إلى السياسة من خلال الثقافة. بينما مؤسسو الحزب الشيوعي  السوري كانوا مثقفين نسبياً. اطلعوا على الفكر الاشتراكي وعلى جانب من الفكر الغربي التنويري. كان العديد منهم يتقنون اللغة الفرنسية قراءة وكتابة. كانت لديهم حصيلة ثقافية متميزة على الصعيد السوري في حينه. الشخص الوحيد الذي تميز بثقافة غربية متنورة في بدايات الحركة الكردية السورية هو الدكتور نور الدين ظاظا. لكن العقلية الفلاحية الساذجة أخرجته من الساحة الثقافية والسياسية الكردية. عندما اطلعت على مذكرات القادة الكرد السوريين، وعلى غالبية الوثائق وأدبيات الأحزاب الكردية في القرن الماضي. اكتشفت مدى بساطة هؤلاء القادة، خصوصا على الصعيد الثقافي عامة والثقافة الكردية بشكل خاص. كان قدوتهم على سبيل المثال الزعيم مصطفى ملا برزاني. جميع الأكراد، بما فيهم المثقفون، يقرون أن برزاني  قائد تاريخي للشعب الكردي. كان سياسياً محنكاً من خلال التجربة، وكرس حياته حتى اللحظة الأخيرة لقضية شعبه. لكنه رجل بسيط على الصعيد الثقافي. كان مجرد شيخ دين لا أكثر. لم يكن لديه أي نوع من الثقافة الحديثة، ناهيك عن الثقافة النظرية. بينما كان غالبية قيادات الحزب الشيوعي السوري لغاية الستينات مثقفين على صعيد سوريا. مثل خالد بكداش ويوسف فيصل ورياض الترك ودانيال نعمة وأحمد محفل. عندما اطلعت على وثائق الأحزاب الكردية تبين لي إنها تفتقر إلى المادة التثقيفية. من ناحية ثانية كان الساسة الكرد منزوين في مناطقهم الكردية ومنقطعين عن الساحة الثقافية السورية. لا أتطرق هنا لإخلاصهم للقضية الكردية ولا لتضحياتهم الجسام. بل مجرد أقوم بتشخيص الواقع. فعلى سبيل المثال، عندما قرأت مذكرات أوصمان صبري، وحميد درويش ومحمد ملا أحمد، والتقيت عدة مرات برشيد حمو شخصيا قبل وفاته، اكتشفت مدى غربتهم عن ثقافة العصر. لم يقرأ أحدهم الفكر الغربي التنويري. حتى لم أجد لديهم الاطلاع على حيثيات التاريخ الكردي، ولا على الثقافة الإسلامية. إن هذا النموذج من القادة لا يستطيعون أن يخلقوا في أحزابهم جواً ثقافياً. عندما قرأت دواوين جكرخوين انصدمت أنه لم يكن مطلعاً على الشعر العربي الحديث الذي عاصره.  ولا تظهر في شعره ملامح الحداثة. لقد تربى على شعراءنا الكلاسيكيين وبقي في دائرتهم. لو حذفنا من دواوينه بعض المعطيات التي تشير إلى عصره، سنجده ينتمي من حيث شعره إلى القرن الثامن عشر. الخطأ الكبير لأحزابنا الكردية أنها عزلت أعضاءها، وخاصة الشباب، في بوتقة فكر قومي ساذج، وعزلتهم عن محيط الثقافة العربية والعالمية وعززت فيهم عاطفة قومية حسية. بينما كان الرعيل الأول للحزب الشيوعي السوري، ينتمي إلى عائلات مدنية تهتم نسبياً بالثقافة من حيث طبيعتها. سواء كانوا عرباً أو أرمناً أو كردا.ً مثل عائلة بكداش، عائلة فرحة(عائلة زوجة خالد بكداش) عائلة ظاظا على الصعيد الكردي على سبيل المثال.
أتساءل أحياناً لو أن هذه الأحزاب الكردية اهتمت باللغة والثقافة الكرديتين مثل جلادت بدرخان، وحولت اجتماعات فرقها الحزبية الدورية لتعليم اللغة الكردية والاطلاع على التراث الكردي بدل النقاشات السياسية التي هي غالباً عبارة عن تكرار للأحداث، لكان اليوم لدينا جيش من القراء باللغة الكردية. ولكان بالإمكان أن  ُيقرأ جان دوست وحليم يوسف، وأحمد حسيني، ومحمد أوزون أكثر من سليم بركات في البيئة الكردية. وللأسف حتى اليوم  نجد أن أحزابنا الكردية يوجهون رفاقهم نحو نوع من السياسة السطحية اليومية التي يتساوى فيها الأمي مع الجامعي.
٦- ما هو الحل الجذري للحالة الكوردية الراهنة برأيك، ثورة ثقافية أم ثورة سياسية بحتة.
أولاً، لا توجد حلول جذرية على صعيد الثقافة، وبالتالي لا توجد ثورات ثقافية على غرار الثورات السياسية. هذا المصطلح استخدمه لينين بعد ثورة اكتوبر الاشتراكية، واستخدمه ماو تسي تونغ. عندما أراد تصفية معارضيه. لقد فشلت الثورتان على الصعيد الثقافي. أقول الثقافي وليس التكنولوجي. من ناحية ثانية لا توجد في سوريا جهة كردية، ولا سيما على صعيد الأحزاب الكردية مهيأة لأن تلعب دورا ثقافياً تنويرياً. كما سبق القول أحزابنا بعيدة أصلاً عن الثقافة، بل قادتها يفضلون الأمي المطواع على المثقف “المزعج”. ونحن المثقفون الكرد نتحمل مسؤولية كبيرة على هذا الصعيد. فبالرغم من انتقاداتنا الشديدة للأحزاب الكردية، إلا أننا لم نعمل شيئاً ملموساً. لو تنظر إلى مثقفينا الذين ينادون بالحقوق القومية الكردية نجد أن أغلبهم لا يتعاطون اللغة الكردية قراءة وكتابة. وهم سريعو الانزلاق إلى العمل السياسي المباشر. وبالتالي فنحن قدوة فاشلة لجيل الشباب. لقد فشلت الجمعيات الثقافية التي شكلها المثقفون. صحيح أن أحد الأسباب هو منع النظام هكذا عمل. وعندما كان يغض الطرف عنها أحياناً، كان يريد أن تبقى هذه الجمعيات في الغرف السرية. ومع ذلك فالجهد الأساسي للمثقف الكردي منصب على السياسة وليس على اللغة والثقافة الكرديتين. في تاريخ الحركة الكردية السياسية في سوريا منذ بداياتها وحتى الآن الآلاف زاروا السجون، وعانوا ما عانوا. لكن على صعيد اللغة والثقافة الكرديتين كم واحد خلال نفس الفترة اعتقل. كم مثقف كردي دخل السجن من وراء الكتابة باللغة الكردية، مع العلم مرت فترات كان مجرد أن يجدوا كتاب “مم وزين” معك ستذهب إلى السجن. قال لي أحدهم أنه اعتقل في السبعينيات، لأن رجال الأمن عندما فتشوه وجدوا في جيبه كاست يحوي أغاني آرام ديكران. المثقف الكردي مازال يناضل على الصعيد السياسي لا على صعيد الثقافة واللغة الكرديتين. وأرجو أن لا يغضب مني أحد، لأنني أنتقد ذاتي قبلهم.
من ناحية أخرى، نجد أن المثقفون الكرد السوريون الذين يكتبون باللغة الكردية هم موجودون في الخارج. لا يصلنا نتاجهم إلا ما ندر أو من خلال الانترنيت أحياناً. ولذلك تأثيرهم على الجو الثقافي الكردي في الوطن قليل. أعتقد أن الأحزاب الكردية في إطار عقليتها الراهنة غير قادرة أن تعمل شيئاً على صعيد اللغة والثقافة. فهم يفكرون بالجنود أكثر من نوعية هذا الجندي. وإذا بقينا نحن المثقفين على هذه الحالة لاجترار الشكوى من الأحزاب، وتحميل كل المسؤولية للنظام من ناحية ثانية فلا تفكر لا بثورة ثقافية ولا بانتفاضة ثقافية. نحن المثقفون لم نستطع حتى الآن أن نصدر مجلة فصلية باللغة الكردية.
أعتقد الحالة الثقافية الكردية في سوريا مرتبطة بالثورة السورية. ففي حال نجاحها سترفع القيود عن لغتنا وثقافتنا، وبالإمكان حينها أن تساعدنا الدولة السورية الجديدة من أجل تعليم لغتنا وتطوير ثقافتها. في هذه الحالة سيحدث الفرز على صعيد المثقفين والساسة الكرد. أقصد سيتبين هل كنا نناضل من أجل حقوق الشعب الكردي في سوريا أم من أجل أشياء أخرى نجهلها الآن؟.
٧- هل ندمت يوما ما على تبنيك الفكر الاشتراكي ؟
تقصد الإيمان بالفكر الاشتراكي وضمناً بالفكر الماركسي. لم أندم على قناعتي بهذا الفكر على الرغم من أن لدي انتقادات جوهرية له اليوم. لقد اطلعت على الفكر الماركسي منذ شبابي. وتعمقت فيه خلال وبعد دراستي في الاتحاد السوفييتي السابق. الفكر الاشتراكي لدى الرواد الأوائل كان وليد إدراكهم العميق لمعاناة الإنسان المختلفة؛ معاناة الحاجات المادية، معاناة الصراع الاجتماعي نتيجة المصالح المتناقضة بين الطبقات،لمعاناة الحروب الاستعمارية, وأخير وليس آخراً معاناة الفكر الغيبي. لدي القناعة أن ماركس وأنجلس مازالا يستحقان التقدير الفكري. ولا يمكن لأي إنسان معاصر أن يعتبر مثقفاً دون قراءة أهم ما كتبه هذان المفكران. المشكلة حدثت مع اللينينية وتشكيل أحزاب شيوعية على”النمط الجديد” كما اخترع لينين. لقد وضع لينين إرادة الحزب والزعيم فوق إرادة الشعب، وحتى فوق إرادة الطبقة العاملة. وهو المسؤل الأول عن ظهور الديكتاتوريين في كل البلدان الاشتراكية. عندما نشأ الخلاف بين الاشتراكيين على النموذج الماركسي والاشتراكيين على النموذج اللينيني كانت مسألة القوانين الموضوعية وسيرورة التطور وإرادة الحزب والزعيم من أهم نقاط الخلاف. هناك كتاب للينين بعنوان المرتد كاوتسكي. كان جوهر الخلاف بين لينين وكاوتسكي يكمن في أن الأخير لم يوافق على القيام بالثورات الاشتراكية لقطع مراحل التطور الاجتماعي والاقتصادي الرأسمالي، ولا سيما في البلدان الأقل تطوراً مثل روسيا. وهو في هذا التوجه استند إلى مقولة ماركس أن الثورة الاشتراكية ستحدث في بريطانيا، أكثر الدول الرأسمالية تطورا. بينما ابتكر لينين فكرة تغيير النظام الرأسمالي من أضعف حلقاتها (روسيا التي كانت نصف رأسمالية وأقل تطوراً من الغرب في حينها). كما كان جوهر الخلاف بين تروتسكي ولينين بعد ثورة أكتوبر عام 1917وازلاق روسيا إلى الحرب الأهلية والأزمة الاقتصادية الخانقة. أن تروسكي طالب بضرورة تصدير الثورة الروسية باتجاه الغرب. فحسب قناعته أن الثورة ستفشل إذا بقيت محصورة في روسيا. ومن ثم جاء ستالين ليبني الاشتراكية اللينينة بالحديد والنار. بعد انهيار الاتحاد السوفييتي تبين أن كاوتسكي كان على الحق وليس لينين. وأن مخاوف  تروتسكي كانت في محلها، بالرغم من أن فكرته بتصدير الثورة كانت وهماً.
باعتقادي أن اللينينية انتهت تاريخياً. والأحزاب التي مازالت قائمة على أسس اللينينية في طريقها إلى الزوال. وبالمناسبة جميع التيارات الحزبية الشيوعية في سوريا والتي تدعي اللينينية هي بعيدة كل البعد عن اللينينية نفسها، ناهيك عن الماركسية. بتقديري أن الفكر الاشتراكي، والفكر الفلسفي الذين أنتجهما ماركس وانجلز جزء هام من الفكر البشري. فكما لا يمكن الاستغناء عن فكر هيغل على سبيل المثال لا يمكن الاستغناء عن فكر ماركس وانجلز
٨- في الفترة الأخيرة أعرف الكثيرين قد عادوا عن الفكر الاشتراكي ويمموا وجوههم شطر الإسلام ، هل ترى المشكلة في الفكر الاشتراكي الذي لم يعد يصلح للحاضر ؟ أم في الأشخاص ؟
أعتقد في كليهما. فمن ناحية فشل الفكر الاشتراكي في التطبيق الشيوعي الذي جذبه هؤلاء إلى هذا الفكر. ومن ناحية ثانية فالأحزاب الشيوعية التي تأسست في البلدان النامية كانت ولادة قيصرية.  تأسست كلها تحت تأثير ثورة أكتوبر. عندما كان الاتحاد السوفييتي في مرحلة النمو، وعندما تم الانتصار على ألمانية النازية تكون تصور عند عامة الناس أن الاشتراكية ستسود العالم  قريباً. تحدثت الأحزاب الشيوعية في بلداننا إلى الناس أن الاشتراكية تؤمن حياة كريمة لكل الناس، تؤمن العمل، والضمان الصحي ومجانية التعليم والمساواة بين المواطنين والقوميات وبين الرجل والمرأة، وتدفع الشعب والبلد نحو التقدم الحضاري. كل ذلك كان حتى نهاية الخمسينيات تصوراً قابلاً للتحقيق. لكن الرأسمالية العالمية صمدت في فترة انتعاش الاتحاد السوفييتي وجاذبية الفكر الاشتراكي في البلدان الرأسمالية نفسها. في النصف الثاني من القرن الماضي بدأ الاتحاد السوفييتي يدخل في أزمة اقتصادية واجتماعية وحتى فكرية، وانتقل النظام الرأسمالي من حالة الدفاع عن الذات إلى حالة الهجوم. وبما أن الاشتراكيين في العالم الثالث كانوا ينتعشون على التجربة السوفييتية وعلى السياسة السوفيتية، فهم بدورهم بدؤوا يدخلون أيضاً في أزماتهم الخاصة. حدثت أول أزمة في الحزب الشيوعي السوري نهاية الستينيات. وأدت هذه الأزمة إلى أول انشقاق كبير فيه. بعد انهيار الاتحاد السوفييتي لم يعد هناك سند سياسي وفكري ومالي لهذه الأحزاب (كان الحزب الشيوعي السوفييتي يقدم الدعم المالي لأحزاب العالم الثالث ومنها الحزب الشيوعي السوري). ونتيجة التخلف الاجتماعي والحضاري في بلد مثل سوريا فقد برز الفساد الفردي والجماعي داخل هذا الحزب. وانزلق الحزب أكثر فأكثر إلى نموذج الأحزاب الشمولية أسوء من الحزب الشيوعي السوفييتي. صار له طوطم هو الأمين العام. وانعزل عن الجماهير. بل تعال عليها بحجة أن الحزب يدرك مصلحة الجماهير أكثر منها. وبالتالي انهارت القيم الفكرية والسياسية وحتى الأخلاقية داخل الحزب. وبدأت حركة الابتعاد عن الحزب بين أعضائه ظاهرة عامة.
الإنسان لا يستطيع أن يعيش بدون أن يؤمن بشيء ما. الذين تركوا الأحزاب الشيوعية التي كانت تؤمن لهم إيماناً ما، وجدوا أنفسهم فجأة أمام حالة من العدمية. لهذا توجه الشيوعي المسلم إلى المسجد، والشيوعي المسيحي إلى الكنيسة. بل رجع بعضهم إلى طائفته. أنا لا أنتقدهم، من حقهم أن يختاروا ما يريح عقلهم. لكني أستطيع القول أنهم عندما كانوا يتبنون الفكر الاشتراكي ويتحدثون عنه بحماس، كانوا تحت تأثير الأمل وليس القناعة الفكرية. وعندما انهار الأمل انهار كل شيء فيهم. عرفت العديد من الشيوعيين القياديين في الحزب الشيوعي السوري نهاية القرن الماضي لم يقرؤوا لا ماركس ولا أنجز، ولا الكتب الفكرية للينين، ورغم ذلك كانوا يتذمرون من فلاح شيوعي يصلي. وعندما ترك هؤلاء الحزب ذهبوا إلى الجوامع. لا أدري في أي حالة كان هؤلاء صادقين مع أنفسهم، هل عندما كانوا داخل الحزب أم بعد أن تركوه؟ أفضل أن أترك الجواب لهم.
٩- صالح بوزان مثقف ومفكر من الرعيل الأول لماذا تهرب من الأضواء ، مع أنها تساعد على إيصال أفكارك إلى الأخر ؟ وتعمل بالفكر الميكافيلي القائم على الغاية تبرر الوسيلة .
أتفق معك في القسم الأول من السؤال، لكنني بعيد كل البعد عن الفكر الميكيافلي. بل أعتبر أن ميكيافلي هو الذي وضع الأسس الفكرية والسياسية والسلوكية في كتابه”الأمير” لجميع الدكتاتوريين في العالم.
أما في القسم الأول من السؤال. جوابي بسيط أنا قضيت 33 سنة في السياسية والعمل الحزبي. وأقول جهاراً أنني فشلت في السياسة. وبالمناسبة أعتذر لجميع الفقراء في سوريا لأنني لم أحقق ما كنت أقول لهم، وما كنت أكتب من أجلهم. لقد كانت أسباب انتسابي الحزب الشيوعي السوري كوني كنت أكره الظلم منذ صغري. وفي المحصلة لم أحقق لهم شيء. لقد كنت في حزب ابتعد في النهاية عن العمل من أجل الفقراء، بل يتحمل مسؤلية كبرى لهذا الواقع الذي ينتفض ضده ثوار الثورة السورية. لقد كان هذا الحزب حليفاً جباناً لحزب البعث، يقتات من فتاته على حساب الطبقة العاملة السورية والفلاحين. كما أعتذر من الشعب الكردي السوري. لأنني لم أفعل شيئا داخل هذا الحزب من أجل أن يحقق شيئاً لهذا الشعب. في السنوات الأخيرة من وجودي في الحزب وعندما أصبحت في القيادة في تسعينيات القرن الماضي، وكان لزام علي قراءة وثائق الحزب منذ تأسيسه، اكتشفت أن حقوق الأكراد لم تكن في يوم من الأيام  من واجبات الحزب الشيوعي السوري خلال كل تاريخه. لدي البراهين الكاملة ومن خلال الوثائق على استنتاجي هذا.(سأكتب يوماً عن ذلك). لقد استهلكني الحزب كثيرا. فأنا بالأصل أحب الأدب والثقافة والفكر، وبالتالي أعتذر من ذاتي أيضاً. ومن كان لديه كل هذه الاعتذارات من الأفضل أن يبتعد عن الأضواء. وهذا شكل من أشكال العقوبة أمارسها على نفسي.
-10سمعت بأن لك مؤلفات مخطوطة بالأخص مسرحية جاهزة للطبع فلماذا لم تر هذه المؤلفات النور ؟
لدي مخطوطات عدة كلها كتبتها بعد أن تركت الحزب. وجميعها باللغة الكردية وهي جاهزةً للطباعة.  في سوريا لا توجد دور طباعة ونشر باللغة الكردية، وأنت تعرف الممنوعات التي يفرضها النظام على اللغة والثقافة الكرديتين. أمل أن تنجح الثورة السورية وترفع تلك الممنوعات. عندئذ سأطبع كلها. أما حول المسرحية التي تقصدها، فكرتها مبنية على قصة الخلق الاسلامي. واعتمدت كثيراً على التراث الاسلامي. وهي أيضاً جاهزة للطباعة.
١١- في النهاية لا يسعني إلا أن أشكرك جزيل الشكر وأتمنى أن أقرأ مسرحيتك قريبا.
*خالد أحمد من مواليد كوباني 1981 خريج كلية الاداب قسم اللغة العربية، وهو حالياً ناشط سياسي في الدنمارك
Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s