معرض

الثورة لا تُبطلها فظائعها


هوشنك أوسي

هوشنك أوسي

هوشنك أوسي

 

بقليل من التناظر، ومقاربة ما يجري في سورية الآن بما شهدته فرنسا سنة 1789، وما شهدته روسيا سنة 1917، وما شهدته بلدان ومجتمعات أخرى، من تحوّلات اجتماعيّة – اقتصاديّة، ثقافيّة وأخلاقيّة، قيميّة، ضمن سياقات عنفيّة دمويّة، يمكن الإجابة على التساؤلات التي طرحها الأستاذ عبدالأمير الركابي على الكتّاب السوريين عموماً، وياسين الحاج صالح وميشال كيلو، على وجه التخصيص، في مقال نشرته «الحياة» له يوم 17/09/2012، حين قال «ما هي الثورة؟ ما هي الثورة السورية؟ لم أفهم حتى الآن «ما هي الثورة السورية» بالملموس لا بالانشاء والرغبات والتهويم والانسياق وراء المجريات اليوميّة. نريد ان نفهم لماذا مثلا كل هؤلاء الكتّاب قبل بضعة أشهر، كانوا فخورين بسلمية الثورة، وامتيازها عربيا وصمودها السلمي، بينما أصبحوا اليوم أقرب إلى الفخر بالعنف؟ والمسألة الأخطر التي نريد ان نعرفها، ما إذا كانت سوريا على سبيل الاحتمال سائرة إلى التدمير لا إلى «التغيير؟» وفي هذا المجال يسأورنا قلق شديد لا نجد أحدا من كتاب ومنظري ومواكبي الثورة السورية ينكب عليه محأولا إقناعنا (ومرى أخرى بالملموس لا بالانشاء) بان ما يحدث انتقال إلى الامام نحو المستقبل وان الادلة على ذلك موجودة في تضاعيف وسياقات وآليات وديناميات الثورة الجارية «… انتهى الاقتباس.
يتقديري، وجود الفظائع والانتهاكات، كانت سمة غالبة وجامعة ومواكبة لكل الثورات عبر التاريخ. في حين لم تنزع الانتهاكات عن هذه التحوّلات صفة الثورة على الظلم، في سياق التحول نحو الأمام والمستقبل. حتّى الديانات السمأويّة ومساعي نشرها، أو ترسيخها، اخذت أشكالاً من الفرض والقسر والاكراه، وشابها الكثير من الحروب والويلات والكوارث والفظاعات البينيّة، ومع الآخر المختلف أيضاً. وعليه، إذا أخذنا على الثوار السوريين انتهاكاتهم وجرائمهم الانتقاميّة (المدانة بشدة) بخاصة منها التي نحت المنحى الطائفي، واخذنا من هذه الانتهاكات والفظائع دليلاً ومنصّة لسحب صفة الثورة من الحدث الاجتماعي – السياسي – العسكري الثوري المعارض لنظام الأسد، كان علينا أولاً سحب صفة الثورة من الحدث الفرنسي سنة 1789 الذي غير وجه فرنسا وأوروبا، وأحدث نقلة اجتماعية – سياسية، فكريّة وقانونيّة، بالرغم من بحار الدم والاحتراب الداخلي بين الثوار والنظام الملكي، وبين الثوار أنفسهم، التي رافقت الحدث الفرنسي آنئذ. ذلك ان الثورة الفرنسيّة التي أطاحت بالنظام الملكي، وأغرقت فرنسا في عقد من الحرب الاهليّة والتصفيات والمجازر (1789 1799)، واتت فيما بعد، بنابليون وحروبه، لا يمكن وصفها بأنها حدث ارتجاعي، انزلق بفرنسا نحو الماضي والتدمير، بدلاً من القفز نحو المستقبل والتغيير!
من دون أن ننسى أيضاً ان الكثير من منظّري الثورة الفرنسيّة (روبسبيير، دانتون، مارا…) تحولوا إلى قتلة بعضهم البعض، بعد ان نظّروا لثورة العدالة والحريّة والمساواة وسلطة الشعب. وبالتالي، تجاوز المؤرّخون لتلك الحقبة (الثورة الفرنسيّة) التباين بين أقوال منظّريها وأفعالهم. ولم ينزعوا عن الحدث صفة الثورة، نتيجة المجازر والفظائع التي رافقت الثورة. كما تجاوزت الثورة في نتائجها اللاحقة، كل تلك الجرائم إلى ما هو أكثر التصاقاً بقيم العدالة والمساواة والحريّة.
وكذا الحال، ينسحب على الثورات التي شهدتها روسيا والصين وكوبا وفيتنام … كلها، شهدت جرائم وفظائع رهيبة، ضدّ الأنظمة الحاكمة وحاشيتها، ثم انتقلت الجرائم إلى داخل رموز وأقطاب الثورة انفسهم، بحجّة تنظيفها وتنقيتها وتطهيرها من الشوائب والشذوذ والانحراف، المرتبط بالنظام السابق وقيمه وثقافته وآيديولوجيّته. لكن، في مطلق الأحوال، تلك الجرائم والفظائع، بقت عابرة، لم تنل من جوهر الثورة كاستحقاق جماهيري، نهضوي، نازع للتغيير وليس للتدمير، كمرحلة أولى، لتحقيق سلطة الشعب والمجتمع كغاية عليا للثورة. وفيما بعد، جرى ما جرى، واستبدلت هذه الثورات، (حين تحولت إلى سلطات شموليّة)، طغمة استبداديّة بأخرى، لا تقلّ بشاعة ودمويّة عن سابقاتها، فاتلفت الثورة نفسها بنفسها، حين انزلقت نحو الدوغما العقيديّة الآيديولوجيّة وألغت الاختلاف، فتخشبت وتصلبت حتّى غدت هياكل من الكلام البرّاق المحشوّ بالهشيم والتبن. وهذا ما يجب التحذير منه في سورية، لا التشكيك في الحدث السوري من الأصل، بنزع صفة الثورة منه، والتلميح إلى ان مظاهر القتل والدمار والانتهاكات التي يقترفها الثوّار، ذات منحى ارتجاعي، تدميري، ولا يمتّ للتغيير بأيّ آصرة، في إشارة إلى ان القبول ببقاء النظام الحالي، أهون وأحسن وأفضل للسوريين من المضي في الثورة، وطابعها العنفي، الذي يشي بنذر طغم استبداديّة دينيّة طائفيّة تلوح في أفق سورية مابعد الأسد! ثمّ، من قال؛ ان الثورة، خطّ مستقيم، خالٍ من التعرج، بحيث تبدأ وتنتهي سلميّة!؟ ومعلوم للقاصي والداني انه نتيجة جملة من الظروف والضغوطات الموضوعيّة والذاتيّة، أجبر الثوّار السوريون على سلك ما كانوا يعافونه ويمقتونه من عنف ديني وطائفي ومذهبي؟! وينسحب الأمر على رأي وموقف الكتّاب السوريين، التوّاقين للحريّة والعدالة والديموقراطيّة، حيث كانوا مع سلميّة الثورة لأجل التغيير (وما من تغيير من دون اسقاط النظام الممانع للتغيير) من ثم تراهم مع عنف الثورة، كحقّ مشروع للمقاومة والدفاع عن النفس، والاطاحة بالانسداد الداخلي والاقليمي والدولي الذي يصبّ في مصلحة ديمومة طاحونة الاستبداد التي تهرس المجتمع والدولة. دون ان ننسى ان تقديس العنف، وشرعنة التوحّش عند الثوار، ومحاولة تبرير ذلك بتحوّش النظام واستشراسه في قمع الثورة، هذا الأمر أيضاً، يجب ان يكون مداناً ومرفوضاً من قبل الكتّاب السوريين الموالين للثورة السوريّة في حالتها السلميّة أو العنفيّة!. وفي هذا الانتقاد الذي وجّه الركابي لبعض المثقفين السوريين، كل الحقّ والاتفاق معه. ذلك ان الثوري حين تصل به حال الانتقام إلى التوحّش، عندئذ يفقد كل منظومته القيميّة الاخلاقيّة، ولا يبقى هنالك أيّ فروق جوهريّة بينه وبين النظام السوري، حتّى لو كان توحّش الثوري ردّة فعل على توحّش نظام الأسد.
وسبق لكاتب هذه الأسطر ان حذر من النظر إلى الثورة السوريّة بعين الدوغما والقداسة، في مقال سابق نشرته صحيفة «الحياة«، كإشارة إلى ضرورة ان يحذّر الكتّاب والمثقفون السوريون من الانتهاكات التي يرتبكها الجيش الحرّ، وينتقدونها بشدّة، ليس من باب الترف التنظيري، بل من باب الحرص على ألاّ تنزلق الثورة والثوّار إلى مدارك ومواقع، يريد النظام لهم ان ينزلوا اليها، محققين مآربه ومخططاته الجهنّميّة.
وفي السياق ذاته، يحقّ للسوريين ونخبه الموالية للثورة، ان يعبّروا عن قلقهم الشديد، وخيبة أملهم حيال الكثيرين من السوريين والعرب والعجم، الذين يسعون حثيثاً، لنزع صفة الثورة عن الحدث السوري، ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا، اعتماداً على الانتهاكات والخروقات والجرائم التي يرتكبها الثوار! ذلك انه في حال انعدام قدرتهم على الدفاع عن النظام، ثمّة ميل مستتر أو علني للتقليل من شأن الحدث السوري، وزيادة جرعة التهويل مما يرتكبه الثوّار من ردود أفعال «مقيتة ومشينة ومسيئة للثورة»، وصولاً لتثبيت فكرة «ألاّ ثورة في سورية» بل ارهاب واحتراب طائفي! وفي هذا، ميل لبقاء سورية في عهدة نظام الأسد والشبيحة، لأن البديل هو التدمير وليس التغيير.
ولا نبالغ إذ نقول: إن تساؤل الركابي عن انعدام وجود منظّر الثورة في تونس ومصر وليبيا واليمن وسورية، يتأتى من فهم تقليدي لماهيّة الثورة على انها تستوجب ان يكون لها منظّر (فيلسوف، سياسي، كاتب، قائد …)، وأن الثورة نتاج تنظير، اعتماداً على المقولة اللينينيّة: «لا حركة ثوريّة بدون نظريّة ثوريّة». وعليه، ما دام ليس هناك منظّر للثورة في تونس ومصر وليبيا وسورية…، فلا ثورة من الأصل، في هذه البلدان!. وبالتالي، علينا البحث عن تسميات أخرى لما شهدته هذه البلدان والمجتمعات، عدا عن تسميتها بالثورة!؟ وليس غمساً من قاموس الإنشاء والتهويمات القول: إن المنظر الأكبر لهذه الثورات هو الاحتقان والتأزّم والتورّم الاجتماعي – النفسي، السياسي – الاقتصادي، المريع والفظيع الذي انتجته الطغم الحاكمة في البلدان العربيّة، والرغبة العارمة والجارفة لدى الشعوب في التغيير، حتّى لو كان المدخل إليه هو التدمير، عملاً بالمقولة الدارجة: «لا عمار إلاّ بعد خراب». فتراكم عقود من الاستبداد والفساد والنهب والسلب وامتهان الكرامة والاذلال …، أوصلت المجتمعات إلى حالة أقرب إلى الهشيم القابل للاندلاع في انتظار أول شرارة تطيح بفائض الخوف والرعب الذي كان معشّشاً في كل نخاعات وخلايا المجتمعات، إيذاناً باندلاع الثورة على الواقع المشين المستفحل. هذه الحال، هو المنظّر الخفي والحقيقي لهذه الثورات، وليس شخصاً أو حزباً ومثقفاً بعينه!. وتأتي المقالات والآراء التي تملأ الصحف وقنوات التلفزة (كما أتى على ذكرها الركابي) كتنوعيات في مسعى محاولة الاحاطة أو فهم ما جرى وما يجري وما ستؤول اليه الأمور. وفي خضمّ هذا التنأول التحليلي السياسي الاجتماعي الثقافي، يتبلور الفهم النظري لمجمل التحوّلات الثوريّة التي شهدتها المنطقة.
زد على ذلك، ان الحدث السوري، أكثر من غيره، كشف النقاب وأماط اللثام عن الكثير من الفضائح السياسيّة والثقافيّة السوريّة والعربيّة، ووضع الكثير من الأسماء اللامعة في عالم الأدب والابداع والفن والفكر والسياسة على المحكّ، وعرّاها من سحر وبريق دعواتها التحرريّة والثوريّة والتنويريّة وللتجديد والحداثة، وانتقاداتها السابقة لنظم الاستبداد والافساد، بحيث أظهر الحدث السوري، بطانات هذه الأسماء أو الأحزاب أو الهيئات، ومدى انحيازتها الخفيّة أو المعلنة لآلة القتل والتدمير الأسديّة، ولو بنسب متفاوتة!. كما كشف الحدث السوري عن مدى النفاق الغربي حيال الدم السوري المراق كل لحظة، بالاضافة إلى مدى التورّط الاقليمي والدولي في سفك الدم السوري إلى جانب نظام الأسد. علأوة على ذلك، كشف الحدث السوري، مدى الفساد والعجز والتلف والتفاهة التي تعتري أداء المعارضة السوريّة، لجهة عدم ارتقائها لمستوى تضحيات الشعب السوري!.
وبعد كل هذا، يأتيك البعض ويطالب بفهم «الثورة السورية» بالملموس وليس بالانشاء والتهويم والتملق …!؟ ويكفي الثورة السورية رداً على من يشكك بها، الاتيان بما قاله روسو «لا اعرف كيف أكون واضحاً مع من لا يجيد الانتباه؟».
على ضوء ما سلف، لا ثورة نقيّة منزّهة ومعصومة عن اقتراف الجرائم والانتهاكات وردود الافعال الشنيعة. ويمكن لأيّ شخص، ان ينتقد الثورة السوريّة، ليس من منطلق الضدّ والرفض، أو زعم الالتباس وعدم الفهم وادعاء ان الصورة لديه لا زالت مشوّشة، لذا، لا يمكنه حسم موقفه من؛ هل تعيش سورية حالة ثورة على نظام الأسد أم لا؟. بل يمكن ان يكون هذا النقد من منطلق محاولة التقليل من الخروقات والانتهاكات وعدم الانجرار نحو مزالق يريدها النظام السوري. ذلك ان تزايد الانتهاكات والخروقات والجرائم، بالتأكيد، يسيء للثورة ويشوّهها ويحرّفها عن مسارها، في حال تفاقمت الأمور. ولئن الثوارات بنتائجها المستقبليّة، وليست الآنيّة، فأن المعطيات التفصيليّة والعامّة للحدث السوري، سواء على الصعيد الاجتماعي أو الثقافي أو السياسي والعسكري، تؤكّد، وبالدليل الفاقع للذي يريد ان يرى، إن سورية تعيش حالة ثورة. ويبقى القول: ان من حقّ الشعب السوري ان يطالب من ينتقد ثورته بأن تكون جودة نقده، مقترنة بالدعوة الحقيقيّة والجديّة والعميقة إلى اسقاط النظام الأسدي، سواء في السرّ أو العلن.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s